بحلول شهر يناير لعام 2016 بلغت الثورة التونسية عامها الخامس. خمس سنوات مرت على تخلي الرئيس السابق زين العابدين بن علي عن كرسي الحكم بعد انتفاضة شعبية أشعلها محمد البوعزيزي حين أضرم النار في نفسه لينير الطريق لاحتجاجات مطالبة بالعمل والحرية والكرامة، كللت بنجاح الشعب في التخلص من حكم ديكتاتوري دام لأكثر من عشرين سنة.

عشرون سنة كممت فيها الأفواه وأُخرِس كل صوت معارض، أغلقت فيها كل منافذ التعبير عن الرأي إلى أن وجد الشباب التونسي في موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” منبرًا للحشد والتجييش ضد النظام القمعي.

الصعوبات:

يمر العام الخامس من عمر ثورة الياسمين دون تغيير ملموس على أرض الواقع، فالبطالة في ازدياد والفساد المالي والإداري ما زال يمثل معضلة بالنسبة للدولة التونسية، إضافة إلى العمليات الإرهابية التي زادت من تدني الوضع الاقتصادي للبلاد والخلافات السياسية التي تخللت السنوات الخمس التي تلت الثورة. هذا ما يفسر الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت من القصرين في مشهد يذكرنا بما حصل في سيدي بوزيد حيث قام شاب معطل عن العمل بتسلق عمود كهربائي قصد إيصال صوته إلا أن صعقة كهربائية كانت في انتظاره أردته قتيلا.

إثر موت الشاب رضا اليحياوي، عمت احتجاجات شعبية مدينة القصرين وسرعان ما انتقلت إلى جل المدن التونسية تحت شعار التشغيل.

تصاعدت بعض الأصوات مستغلة هذه الاحتجاجات لتشكك في جدوى أولى ثورات الربيع العربي متحسرين على الأمن والأمان زمن بن علي.

ربما لم تنجح الثورة بعد في تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد التونسية، ولم تحقق أولى مطالبها وهو التشغيل، إلا أن القول بأن ثورة 17 ديسمبر قد فشلت يعتبر حكمًا قاسيًا في حقها.

نقاط الضوء:

في مطلع شهر يناير لهذا العام، شهدت البلاد التونسية إضرابًا لتلامذة المعاهد بعد قرار وزير التربية السيد ناجي جلول إدماج الثلاثيتين الثانية والثالثة لهذا العام، رافقت هذا الإضراب صورة تبعث على التفاؤل لعدد من التلاميذ يحاورون الوزير، يبدون رأيهم أمامه ويحاججونه بكل جرأة، دون تردد أو خوف.

صورة لم تعهدها تونس قبل 14 يناير 2011، فالوزير كان مقدسًا، لا يختلط بأبناء شعبه إلا ليصفقوا له.

وفي صورة إيجابية أخرى لثورة الكرامة، وعلى أثر تدوينة على موقع الفايسبوك لشاب تونسي انتقد فيها الرفض الذي قوبِلَ به في مكتب بريد عند طلبه فتح حساب جارٍ، وبعد رواج التدوينة، قام السيد نعمان الفهري، وزير  تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي، بالاتصال بصاحب التدوينة معربًا له عن عزمه إصلاح هذا الخلل الإداري، ليتصل فيما بعد مسؤول من البريد التونسي بهذا الشاب معتذرًا وليعلمه عن حل الإشكال.

الثورة نجحت:

عندما تهم بتنظيف أكوام النفايات، طبيعي أن تفوح رائحتها الكريهة وطبيعي أن يتذمر البعض من تلك الرائحة ويطالبونك بالتوقف.

السنوات الخمس التي تلت ثورة 17 ديسمبر طغت عليها الروائح العفنة المنبعثة من أكوام الإخلالات التي ملأت كل المؤسسات والوزارات في فترة حكم بن علي.

الرائحة الكريهة دليل إيجابي يؤذن ببداية عملية التنظيف، على الشعب التونسي فقط المواصلة دون الاهتمام بالمتباكين على أكوام النفايات، سيختفون مع اختفائها وسيعلمون حينها أن الثورة نجحت في إشعال شموع، ليست كتلك التي سهرت الأجيال السابقة تدرس على ضوئها. ثورة الياسمين أشعلت شموعًا طردت ظلام الخوف والخنوع من قلوب الشعب وجعلت العلاقة بين المواطن والوزير قائمة على العمل من أجل الإصلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست