لم يكد الشهرُ الرابع من العام 2011 ينتهي حتی عمت الثورات الدول العربية ذات المواقع المفصلية بدءا من تونس فمصر ولييبا واليمن وسوريا، مؤذنة بانتهاء الحقبة الهادئة التي تلت التحرر العربي من الاستعمار الغربي فكريا وعسكريا واقتصاديا، وفاتحةً أبواب حقبة جديدة قد تغير النظام العالمي بأسره بعد انتهائها، ومن الطبيعي أنّ هذه الثورات في حالتها العسكرية ستحمل الطابع الجهادي بالإضافة لطابعها الوطني نتيجةً لوجود الفصائل الجهادية في أفغانستان والعراق آنذاك، وما لها من تأثير حتمي علی البلدان التي اشتعلت فيها الثورات بحكم الرابطة الدينية المشتركة.

ما قبل ظهور تنظيم الدولة كانت جميع الفصائل الجهادية في كل البلدان مرتبطة ببيعة أسامة بن لادن، القائد الرمز لها والفيصل في المنازعات، وإليه يعود مركز القرار، بن لادن الذي كان نجما عالميا لعقدٍ من الزمان تم ترحيله عن الساحة مع بداية الثورات العربية حيث قتل في الثاني من مايو 2011، وهنا السؤال، لماذا اختير هذا التوقيت بالضبط لاغتياله؟

علما أنه ليس من الصعب علی الولايات المتحدة اغتياله في السنوات السابقة أو تأجيل اغتياله حتی يكون لاعبا مهما في الساحة العربية ومؤثرا علی مستوی الصراع الناتج عن الثورات، فقد يتبادر لذهن المتابع أنّ إبقاء بن لادن علی قيد الحياة سيصبُّ في المصلحة الأمريكية حسب المنظور الذي يؤيّد التواطؤ الأمريكي ضد الثورات من خلال إقحام الجهاديين واستخدامهم كمطيّة حرب من شأنها أن تعكّر صفو الحرية وتدخل المنطقة في متاهات حروب داخلية علی أساس العرق والمذهب، وذلك كون بقاء بن لادن سيزيد من نشاط التيارات الجهادية ويضبط حركتها ويسهل من خلاله التلاعب بها باعتباره حلقة الوصل التي تجمع الجهاديين علی اختلاف جغرافيتهم، إلا أنّ توقيت اغتياله يحمل دلالات أعمق بالمنظور السياسي البعيد، بل كان  لا بد من اغتياله في ذلك التوقيت لتنفيذ ما يسمی بالفوضی الخلاقة وذلك لعدة أسباب منها:

1- ظل بن لادن علی مدة العقد الأول من الألفية الثانية مرتبطا باسم القاعدة، وكانت المنظمة الأم لمعظم التيارات الجهادية ولها في القاعدة بيعة وولاء، فإبقاء بن لادن سيقف عائقا أمام انفراط عقد التيارات الجهادية وتشعب توجهاتها الراديكالية، لذلك كان لا بد من اغتياله ليترك غيابه فضاءً مفتوحا لنشوء جماعات جهادية أخرى تختلف عن القاعدة سلوكيا.

2- إن فكرة الخلافة المتمثلة بتنظيم الدولةلم تكن لتظهر لو بقي أسامة بن لادن علی قيد الحياة باعتبار الحجة التي اعتمد عليها التنظيم في تبرير خروجه عن منظمة القاعدة، أن البيعة كانت لبن لادن وليست للظواهري، فبموت بن لادن يكون التنظيم قد تخلص من شبهة خلع الطاعة والخروج علی الإمام العام حسب المفهوم الجهادي، كما أنّه من المستحيل أن تجتمع كافة التيارات الجهادية حول فكرة التنظيم وذلك لبقاء الظواهري كخليفة لبن لادن وله أيضا حجج وبراهين من شأنها أن تقنع قسما من الجهاديين بأولوية القاعدة بالمبايعة وجبهة النصرة أوضح مثال على ذلك.

3- بموت بن لادن غابت المفاهيم التي كانت تجمع الجهاديين حول قضايا الأمة، كطريقة التعامل مع العدو وأولويات الجهاد وضوابط التكفير وضرورات القتل وطرائقه، فلم يشاهد العالم في زمن القاعدة هذا التوحش المفرط علی رغم تشددها كما هو مشاهد عند تنظيم الدولة وذلك لغياب الرادع المتمثل بالفهم الجهادي القاعدي المأخوذ من النصوص الدينية، فترك انكسار هذا الجدار الأفق مفتوحا لتأويلات جديدة لآيات القتال وطرقه من التمثيل بالجثث والقتل حرقا والقتل بالتفجير وغيرها من الأفعال التي تعتمد علی إدارة خفية للتوحش المشاهَد.

أسدل اغتيال أسامة بن لادن الستائر علی مسرح الجهاد القاعدي لترفع بعده الستائر كاشفة عن مسرح دموي جديد أدخل الشعوب العربية وثوراتها في دهاليز غير واضحة النهايات، متاهات وفوضی بالفكر والعقائد تستهدف الأصل الذي بنيت عليه حضارة العرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست