تتعامل القيادة التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين بنظرة مركزية شديدة التعقيد حول المكينة التنظيمية للجماعة، فالقيادة التاريخية الحالية التي تضم مجموعة أبرزها محمود عزت ومحمود حسين وإبراهيم منير، وتستمد قوتها لكونها جزءًا من التيار المحافظ الذي سيطر على كل مفاصل الجماعة منذ عام 2001 عندما كان محمود عزت أمينًا عامًا للجماعة ودخوله في تحالف مع خيرت الشاطر، وتكوين شبكة مستفيدة من هذا التيار الذي أثبت أنه الأقوى والأكثر معرفة وإدراكًا بالتكوينات الأساسية للجماعة وكان “يهندس” الانتخابات الداخلية للجماعة بشكل يضمن عدم خروج الهيكل التنظيمي لصالح رؤى استراتيجية تختلف عن أفكار الجماعة ومبادئها خصوصًا منذ مرحلة التسعينات التي كان من ضمنها استمرارية المسار “الإصلاحي” كمرشد عمل لأعضاء التنظيم ورفض كل الشعارات “الراديكالية”، وعدم سماحهم لأية مجموعة من الأشخاص أو جهة ما مهما كانت درجة التحالف (أو الاحتياج لها) بتجاوز الرؤى الاستراتيجية التي وضعوها، إلى جانب تأسيسهم لكيانات اقتصادية تبلغ ملايين الدولارات.

رغم وجود نوع من الحزم تمتلكه القيادة التاريخية للجماعة، لكن التنظيم نفسه يعاني من مأزق تكويني لاعتمادهم منذ التأسيس على قاعدة “التمييع من أجل التجميع”، فلم يكن لهم موقف حاسم واضح في أكثر من ملف، خصوصًا على المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي لينتج عن ذلك تذبذبهم الدائم وإفراغ مواقفهم من أية مضامين جذرية.

ومع النظر لما يحدث داخل صفوف جماعة الإخوان حاليًا من وجود صراع تنظيمي له انحيازات فكرية سنجد أنفسنا أمام تيارين، الأول التيار الإصلاحي المحافظ الذي يتزعمه محمود عزت ومحمود حسين، والتيار الثاني يضم مجموعة من جيل الوسط وأغلبية شبابية تتحدث عن ضرورة التمسك بما يطلقون عليه “الخيار الثوري” دون توضيح لمفهومهم عن هذا الخيار غير الصياح بأكثر الشعارات راديكالية ضد سلطة ما بعد أحداث 30يونيو.

التيار الأول ذو المنهجية الإصلاحية يتفق بجدية حول “سلمية الصراع” وعدم عسكرته ويدرك – حتى إذا لم يعلن عن ذلك- أن معركة صفرية كاملة لن تحدث بسبب المكون الرأسمالي للجماعة، الذين يخشون على خسارته بسبب معارك صفرية، وهو شيء يشبه دور الرأسمال السني في سوريا الذي يرتبط بنوع من علاقة التبعية للنظام البعثي وشارك في عدم إسقاط دمشق في يد ما يعرف بـ”فصائل المعارضة”.

التيار الثاني “التجديدي” صاحب الشعارات الراديكالية الذي لا يمتلك وزنًا سياسيًا وتاريخيًا يعطي له نوعًا من المشروعية لدى الجماهير الشعبية والقوى السياسية، وأشهر رموز هذا التيار هو محمد منتصر الشخصية المجهولة التي لا يعرفها أحد ولا يظهر إلا صوتيًا فقط عبر وسائل الإعلام في ظاهرة غريبة وغير معروفة لدى الحياة السياسية المصرية في عصر أصبح لا يعرف العمل السياسي السري من الأساس، فمن يريد أن يكون شخصية سياسية وقيادية بتنظيم فليعلن عن نفسه أولاً، ويتحمل النتائج المترتبة على إعلانه الوقوف في الخندق المناهض للسلطة، تصرفات منتصر المرفوضة جعلت بعضهم يعتبره أنه جزء من تيار يكفر بالسلمية ويدعم أعمال العنف والعسكرة وأن التيار الذي يمثله مرتهن لصالح جهات خارجية، وهذا الكلام تردد أيضًا بواسطة بعض عناصر الجماعة عندما قال القيادي الإخواني محمد سودان الإشكالية أن هناك بعض التيارات تريد عسكرة “الثورة”، ليخرج منتصر ويصرح لا يوجد تيار يريد عسكرة الثورة أو سحبها لمعركة السلاح.

ظهرت تجليات الصراع بين التيارين عندما قام تيار القيادة التاريخية بفصل محمد منتصر من منصبه كمتحدث إعلامي للجماعة وتجميد عضويته لمدة 4 شهور وتعيين طلعت فهمي بدلًا منه، ليدخل التيار “التجديدي” في حرب ضد التيار الأول ويتهمه بالفشل والعجز وعدم فهم الواقع ويستخدم مزايدة لم تكن متداولة داخل الصف الإخواني بهذا المستوى العلني، ويتم توظيف وسائل الإعلام الخاضعة لهيمنتهم خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي لاستخدامها في الصراع ضد القيادة التاريخية، ويتغافل التيار التجديدي ذو النزعة الراديكالية أنه لا يمكنه هزيمة القيادة التاريخية للجماعة بالسير في درب الشعارات الرنانة دون وضع تكتيك ملائم لكيفية تقليل سطوة القيادة التاريخية وإدارة الجماعة دون تسلطهم وبعيدًا عن الإمكانيات الضخمة التي تقع تحت تصرفهم. يبدو أن هذه الخلافات ستجعل جماعة الإخوان خصمًا سهلاً للسلطة الحاكمة، في ظل حالة من التخبط والارتباك تسود الجماعة وكوادرها وبيئتها الحاضنة، وأن كلا التيارين سيدفعان ثمنًا فادحًا جراء حدة هذه الانقسامات، والضرر لن يقتصر على طرف بعينه.

ما يحدث داخل جماعة الإخوان حاليًا يذكرنا بما حدث في البحرين سابقًا عندما انقسم الصف الإسلامي إلى تيارين أيضًا، تيار “الممانعة” الذي كان يرفض المشاركة في الانتخابات النيابية ويعارض توجهات النظام بشكل مطلق، وتيار “المسايرة” الذي كان يحمل رؤية إصلاحية وشارك في الانتخابات النيابية وحصل على أعضاء داخل الغرفة التشريعية قبل أن ينسحب منها بعد أحداث فض اعتصام دوار اللؤلؤة.

يستدعى الآن أكثر من أي وقت مضى لاستغلال لحظة فارقة في تاريخ الشعب المصري لتعميق الحراك الثوري الشعبي العمل من أجل تكوين بديل ديمقراطي ثوري مستقل لا يتذيل خندق جماعة الإخوان المسلمين، ولا يرمي بنفسه في خندق النظام، ولإحداث قطيعة كاملة مع نهج الاستبداد واحتكار السلطة والثروة، وفضح كل من تسبب بانتهازيته ورجعيته في إفشال مكتسبات ثورة 25يناير وتملص من شعارات التشاركية ووحدة الصف من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب الذاتية، والاعتراف أن السبب الرئيسي للصعوبات والعراقيل التي تقف في طريق استمرارية الحراك الثوري الشعارات التي يرفعها عناصر جماعة الإخوان ومن ضمنها “مرسي راجع”، بل إن تلك الشعارات التي تحمل جزءًا من الوهم ولا تتناسب مع الواقع والمنطق، وتمنع فكرة وجود أي اصطفاف شامل يخدم كل فئات الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست