أسئلة عدة تدور في أذهان الكثيرين منا،هل مصر ند حقيقي لإسرائيل؟ هل بالفعل مصر تحقق الردع مع إسرائيل النووية؟ هل الجيش المصري يوازي قوة الجيش الإسرائيلي؟ من لديه أسلحة أفضل؟ ماذا لو قامت الحرب؟ وكيف ستكون؟
أسئلة كثيرة ومتوالية تتبادر إلى الذهن مع نوعية من الأخبار ومجريات الأحداث،ونبحث دائما عن معلومة أو خبر نفهم منه الأمر,معا على مدار سلسلة تلك المقالات؛سوف نحاول بالحقائق والأرقام أن نرصد الواقع وملامح المستقبل.

كيان الدولة والعمق الاستراتيجي                                                              

تتمتع مصر بمساحة شاسعة،وعدد كبيرا من المدن المليونية،ونسبة كثافة سكانية تقترب من 100 مليون مصري،وبالطبع،تنوع بيئي كبير بين صحاري شاسعة،وشواطئ ممتدة،وبحيرات وسلاسل جبال،وعمق طويل ممتد.
وبالطبع تتمتع مصر بالعمق العربي المحيط،ومصر تتكون من:غالبية مسلمة،وكتلة قبطية،تجمعهم وحدة اللسان والجنسية والأرض.

تلك عناصر هامة جدا،عندما تحب أن تبدأ في قياس التوازن العسكري الشامل لدولة، فعنصر العمق، والقوة السكانية، وترابط المجتمع، والعوائق الطبيعية، ونطاق الدولة الذي يسمح بتحمل الضربة العسكرية، كل تلك مقومات هامة يجب الإلمام بها.

وواقع الأمر،أن من نقاط الضعف: الصراع السياسي، والتشتت الفكري، وبالطبع، الصراع مع جماعة الإخوان، وأيضا الجماعات التكفيرية.

بالنظر إلى إسرائيل (سوف نذكر المسمى الرسمي للكيان الصهيوني) فهي دولة محدودة:المساحة لا تتمتع بعمق استراتيجي في اتساع الأرض،الكثافة السكانية لاتوجد؛فعدد السكان ليس بالكبير،الدولة تقوم بنسبة كاملة على مهاجرين من جنسيات متعددة،وتعتمد على الوحدة الدينية،الدولة تقع في نطاق عربي لا تتمتع معه بأي عمق،ولكن عداء.

الدولة يوجد بها قومية دينية حاكمة:وهي اليهودية (الصهيونية بأغلبها)،ويوجد بها قوميات عربية (مسلمة – مسيحية) تشكل نحو ثلث السكان،وتفتقر إلى أي وئام بين السكان،فحتى القومية اليهودية متفرقة إلى طبقات وفرق دينية أو جنسية.
تقع الدولة في صراع دائم ونزاع يصل إلى عمقها مع المحيط الفلسطيني،ومهددة دائما بالنزاع الداخلي أو داخل النطاق.
لكن لنكن واضحين ونحدد نقاطا هامة:

– تتمتع إسرائيل بالحشد الديني لكتلتها السكانية اليهودية،ويتمتعون بعصبية عقائدية شديدة تدفعهم للحشد العسكري والتفاني في عمل الجيش ودستور الدولة ينص على أن كل فرد هو جندي بصورة أو بأخرى،ولا نهاية لسن العمل العسكري،فمن يخرج من الخدمة النظامية يدخل في أنساق الاحتياط بدرجاتها،ومن يتقدم بالسن يدخل في نطاق الدفاع الداخلي،وسوف يكون دائما مطلوبا طالما لدية قدرة لحمل سلاح.
تقع قضية الحشد الديني العقائدي في مصر في نطاق مختلف وتتفاوت بسبب اتساع الرقعة السكانية،وأيضا التنوع الديني للسكان.

– العمق الداخلي الإسرائيلي لا يتواجد،إلا بالشمال،أما في باقي المناطق فالكتل العربية تشكل عدوا محتملا حال نشوب أي صراع عربي – إسرائيلي شامل، في حين إن الصراع الداخلي المهدد للعمق المصري ليس قوميا أو دينيا في أغلبه،والأدق هو سياسيا يمكن وضع حد له وقت الأزمة.

– القوة البشرية الإسرائيلية محدودة،وليست متسعة لنزاع شامل طويل الأمد ومعارك ممتدة بصفة دائمة،في حين أن مصر لديها كامل القدرة علي الحشد المليوني،والاستمرار البشري (لهذا تعتمد إسرائيل تكتيك الضربة المفاجئة،وأيضا الدفاعات الدائمة في أية معركة،وطبعا الاهتمام دائما بإحداث فارق تكنولوجي عسكري كبير يعوض الفارق البشري).

– تتمتع مصر بالعمق التوزيعي،أي أن مراكز الدولة الحساسة موزعة على نطاق واسع يصعب معه ضربها،أما اسرائيل فتعاني الانكشاف في تلك النقطة،فأغلب مراكز الدولة الهامة تقع في نطاق ضيق،ومحدودة العدد (لهذا تعتمد إسرائيل نظرية الدفاعات المكثفة،وأيضا التحصين).

– مساحة الدولة المصرية تشكل نطاقا واسعا لتحمل الضربة،وأيضا للمعارك الطويلة،إذ توجد الموارد الطبيعية،وتفتقر إسرائيل لتلك النقطة؛فالمساحة صغيرة،ومهددة داخليا،ولا تتحمل إسرائيل معارك على أراضيها  (لهذا تعتمد دائما على نقل المعركة إلى أراضي الدول الأخرى).

– تفتقر إسرائيل إلى الموارد الطبيعية الداخلية للدولة،الكافية للإعاشة الطويلة،وهي تعتمد على دول أخرى في هذا الأمر،خاصة الحلفاء الغربيين، تتمتع مصر بموارد طبيعية واسعه وهائلة،وتكفي للإعاشة الداخلية الطويلة،ولكن بالطبع تبقى غير مستغلة بصورة صحيحة،وتفتقر إلى خطة تنمية كاملة تحقق المرجو منها.

بنظرة شاملة،نجد نقاطا عدة تصب هنا أو هناك،إلا أنه في المجمل،ووفق رأي العديد من الخبراء،فإن نقطة العمق تصب في مصلحة مصر والعرب بصورة دائمة،لهذا لايخفى على أحد آلية تصدير الصراع،ونقل الأزمة الذي تنتهجة إسرائيل مع العرب،وأيضا مصر؛بهدف خرق هذا العمق،وإحداث الإخلال المجتمعي،وأيضا عمليات التطويق.

وبنظرة إلى مصر كمثال،سوف نجد إسرائيل تتدخل بقوة في أزمة المياه مع أثيوبيا،تثير نزاع الغاز في مياة المتوسط،تدفع بقضية الإرهاب بسيناء وتدويلها،تدفع دائما نحو تحجيم تسليح الجيش المصري،لامانع من إطلاق الأمور لإحداث نزاع داخلي.

ليست تلك الأمور بعفوية،ولكنها تقاس جيدا،ولا يدرك الأمر إلا من يملك عينا فاحصة،ورؤية شاملة،ولا يظن أحد أن كيان الدولة وعمقها مسألة هينة في أي نزاع أو بناء قوة عسكرية،ولا يتخيل البعض أنه ليس هدفا للعدو دائما؛لإحداث خلل به يسهل مهمته أو يؤخر الدولة كثيرا ويهز موقفها.

إن كان لنا عين، فدائما للعدو ألف عين، يتربص بها، ويرصد ما لا نراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست