مرت خمس سنوات على ثورة يناير  2011 م ، والتى كانت بدايتها مبهرة للعالم أجمع، ثم ما لبس أن فشل الثوار في الحفاظ على الحد الأدني من مكتسابتها ، بل فشلوا في أن يصلوا إلى وضع ما  قبل الثورة.

وبعد مرور خمس سنوات على انطلاقها يبتكر شابان طريقة جديدة؛ للتعبير عن غضبهم من الوضع الذى آلت إليه الثورة التى شاركوا فيها.

 قام الشابان بإهداء بالونات الواقي الذكري إلى الجنود المعتصمين فى ميدان التحرير، في ذكرى الثورة في وقت كان من المفروض أن يكون ميدان الثورة للثوار.

وهذه المحاولة لم تكن الأخيرة، بل سبقتها عدة محاولات لاستخدام طرق قد توصف بأنها غير أخلاقية كوسائل للتعبير عن الغضب من سياسات النظام الحاكم فى الوقت الحاضر.

وكشفت هذه المحاولات عن مقدار التباين الثقافي في المجتمع المصري، وخاصة في فئة الشباب.

ولأن مسألة الفعل الأخلاقي والفعل غير الأخلاقى مسألة نسبية تختلف من مكان لآخر ومن شخص لآخر، ولكن يمكننا أن نحدد معيارا يضبط العلاقة ما بين الأخلاق والثورة، وهو مدى مساهمة هذه الأفعال في تحقيق أهداف الثورة.

فالعلاقة ما بين الأخلاق والثورة علاقة تلازمية وطردية، فالثورة تقوم في الأساس على أثر ممارسات غير أخلاقية قامت بها السلطة الحاكمة التى قامت الثورة عليها، وتتمثل هذه الأفعال غالبا  في التعدى على  المساحة الشخصية للمواطنين، وانتهاك الحرمات، والقتل والتعذيب وإلى غير ذلك من الممارسات غير الأخلاقية، متخذة قاعدة: الغاية تبرر الوسيلة ذريعة لارتكاب مثل هذه الافعال.

ومن الخطأ أن يستخدم الثوار أنفسهم هذه القاعدة لتبرير معارضتهم للنظام، ولو كانت هذه الأفعال كما حدث ، ستحرك الماء الراكد لأن استخدام الأفعال غير الأخلاقية فى مقاومة الاستبداد قد تجلب النفع أحيانا، ولكنها تضر أكثر ما تنفع، فالنظام الحاكم سيجدها وسيلة سهلة يستخدمها كأداة لتبرير أفعالها القمعية، وهى أداة ناجحة لتشوية الثوار ومحاولة إثبات أن لا قدر لهم على تحمل المسئولية، ولن يكف هؤلاء عن الحديث الذى يخالف واقعهم، بأن هذه الأفعال قد تخدش حياة النساء والأطفال وتهدم مؤسسات الدولة، وإلى غير ذلك من الشعارات التى تجافى الواقع.

ونسوا بأن النظام الحالي يتبع الأساليب المكارثية فى التعامل مع معارضية، من إذاعة المكالمات الصوتية الخاصة ونشر الصور الجنسية لبعض المعارضين.

ونسوا كذلك أن جهازهم المجنى عليه هذا قد جنى آلاف المرات، ففي مرة يطلق ظابط الرصاص على محامي داخل قسم المطرية فيرديه قتيلا، ومرة تتعرض فتاة للاغتصاب داخل القسم، ومرة يكبل أحد الضباط يدي مواطن في سيارتة الخاصة ، ومرة أخرى يطلق ضابط النار على مواطن في كفر الشيخ ويطلب منه الركوع أمامه؛ للعفو عنه، ومرات ومرات يصعب حصرها في مجلدات ارتكبت فيها قوات الشرطة أفعالا غير أخلاقية، بل غير إنسانية.

ولكن نحن لسنا هم، فالمصالح مختلفة والأهداف مختلفة، فثورتنا أخلاقية تبغي العدالة وترفض الجور والظلم تحمي الأخلاق ولا تهدمها تكفل العيش للجميع ولا تقصي أحدا.

ومخطئ من يتصور بأن الثورة لا تحتاج إلى رأس مال أخلاقي وثقافي حتى تستطيع جذب الجماهير لمناصرة قضيتها وتحقيق أهدافها، ومخطئ من يتصور بأن الثورة ستنجح بطريقة راديكالية من دون أن تتقبلها الطبقة العريضة في  المجتمع، والتي تتاثر غالبا بالخطاب الإعلامى المزيف الذى يسعى دائما إلى تشويه الثورة بتشويه الثوار.

ولا أعني بذلك تقييد الإبداع الاحتجاجي، بل على العكس؛ فالثورة أكثر ما يحتاج إلى الإبداع، ولكن على الثائر إذا تحدث باسم الثورة أن يفكر أولا، هل سيساهم ذلك في تحقيق أهدافها أم تقوية سبل إجهاضها، فإذا لم نتحمل مسئولية ثورتنا فلن نتحمل مسئولية وطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست