“قد تعاني أجيال كثيرة نتيجة خطأ سياسي واحد”، بهذه العبارة يختصر المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي “غوستاف لوبون” أثر السياسة والحكم في التاريخ البشري، وأهمية معرفة أساليب الحكم أو (روح السياسة)، كما هو عنوان كتابه، والذي قال فيه:”… إن معرفة أساليب الحكم ـ أي معرفة روح السياسة ـ من أصعب المسائل في جميع الأزمنة ولا سيما الزمن الحاضر حيث ثقلت وطأة مقتضيات الاقتصاد الناشئة عن مبتكرات العلوم والصنائع  وأصبح لا تأثير للحكومات فيها”.

يبين غوستاف لوبون كتابه (روح السياسة) النتائج الوخيمة لجهل قواعد السياسة وفن قيادة الجماهير، مبرزا أن التأثير هو أهم هذه القواعد، ومفصلا أنه من تقدير وقته وكيفيته وحدوده يتألف فن السياسة، ذلك بأن الوقوف على روح السياسة يعلم أولي الأمر كيف  يحلون ما يعترضهم كل يوم من المشكلات، فيميزون الأوقات التي يلبون فيها رغبات الشعب أو يقاومونها.

ويقدم غوستاف الثورة الفرنسية مثالا على خطر الجهل بتلك القواعد؛ التي يرى أنه كان في الإمكان الحيلولة دون نشوبها أو اشتعالها بشدة على الأقل لو لم يصر الأشراف سنة 1788 على رفض مبدأ المساواة في الضرائب أيام الأزمة الزراعية المالية التي زادت بؤس طبقات العمال.

يذهب غوستاف إلى أن الهفوات السياسية التي حدثت في غضون التاريخ ناشئة عن جهل بعلم النفس، فكما أن الفنون والعلوم تخضع لقواعد لا يجوز نقضها كذلك قيادة الناس لها قواعد لا تخرق حرمتها، ويصعب اكتشاف هذه القواعد إلا بكثير من التأمل والدربة.

ويحدد غوستاف مقومات روح السياسة في ثلاثة فروع، هي:روح الأفراد وروح الجماعات وروح الشعوب، وتعني عنده علم نفس الفرد وعلم نفس الجماهير وعلم النفس الاجتماعي، فمن تضلع من هذه العلوم الثلاث ساعده ذلك على قيادة الدول وتوجيه المجتمعات.

ويمكن أن نفهم هذه الفكرة أكثر إذا علمنا أن غوستاف يرى أن القوانين لا تغير واقع المجتمعات، وقد خصص فصلا كاملا لشرح هذه الفكرة بعنوان(مساوئ القوانين) كما ظل يلح عليها خلال فصول الكتاب الأخرى، ويشبه غوستاف المشترعين الذي يريدون تبديل عوامل النشوء في المجتمعات عن طريق سن القوانين بما جاء في كتب الأقاصيص أن(سرخس) ساط البحر عقابا له على تدمير سفنه وتحذيرا له من العودة إلى مثل ذلك مرة أخرى.

إن القوانين في نظر غوستاف ليست سوى عادات ترسخت بفعل القضاء، ولذلك يرى أن تكوين أحد الحقوق لا يتم إلا إذا اجتاز ثلاث مراحل؛ وهي العادة والقضاء والقانون، ويؤكد من خلال الأمثلة أن القوانين التي سنتها الثورة الفرنسية لم تكن سوى عادات الشعب الفرنسي التي كانت الملكية تحاول تبديلها.

ويلخص الكاتب نظريته حول صراع القوانين والعادات حينما يقول:” لو طوحت بنا الحياة العائلية إلى مسافحة ذوي القربى لما استطاع المشترع أن يحول دون ذلك”، إنه بهذه المقولة يحفر في عمق خصائص المجتمع البشري وتأثير العادات والتقاليد فيه، فروح الشعوب لا تتغير بالمراسيم، والانقلابات الأساسية لا تتم إلا بفعل الزمان والأنظمة ليست سوى ظرف خارجي لروح باطنية.

وفي تحليله سيكولوجيةَ الجماهير يرى غوستاف أن العاطفة تقود المجتمعات وتغيرها أكثر من العقل، فالعقل ـ كما يقول ـ قوام العلم والمعارف فقط، وإنما المشاعر والمعتقدات هي التي تقود الناس وتكوِّن التاريخ، والجماعات لا تتأثر من انسجام الخُطَب المنطقي، بل بما تورثه بعض الكلمات في نفوسها من صور عاطفية.

ومن خصائص الجماهير سرعة التصديق، ولذلك يضع قاعدة ذهبية في قيادتها، وهي أنها إذا طلبت القمر فيجب وعدها به، ذلك أن نفسية الجمهور لا تقبل الضعف، لكن يسحرها التحدي.

ومن خصائصها كذلك سرعة التقلب، فهي قد تَرْجُم اليوم من كانت تعبده بالأمس، فروبسير الذي كان قبل سقوطه بيوم معبود الشعب الباريسي سيق في اليوم الثاني من سقوطه إلى المقصلة بين صفير هذا الشعب وشتمه، وكذلك (مارا) الذي دفن في (البانتيون) بين تهليل الجموع رميت جثته بعد بضع سنوات من قبل هذه الجموع في المرحاض.

ويتحدث غوستاف عن عوامل الإقناع أو ما سماه عوامل إدخال الإيمان إلى قلوب الجماعات، وهي:

  1. النفوذ: وهي الذي يوحي إلى النفوس بالأمر ويلزمها إياه
  2. التوكيد غير المبرهن: وهو الذي يعفي من المجادلة
  3. التكرار: وهو الذي يجعل المرء يسلم بصحة الأشياء المؤكدة
  4. العدوى النفسية: وهي التي يتحول بها يقين الفرد الضعيف إلى يقين قوي.

إن غوستاف لوبون يقدم رؤية عميقة ومغايرة في نفس الوقت لفن السياسة، حيث ينفي دور القوانين معطيا أولوية التأثير والتغيير للبنية العميقة في المجتمع، وهي العادات والمعتقدات، ومانحا العاطفة دورها المحوري في توجيه المجتمعات والأمم بعدما فتنت النظريات السياسية بالعقل وجعلته محور التغيير.

فهل سندرس العاطفة ومنطقها لكي نفهم عوامل التأثير والتغيير الاجتماعي والسياسي، وهل سندرس خصائص المجتمع وعاداته قبل أن نحاول ضبط حركة سير القوانين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست