ونحن نتفكر ونعيد التدارس في أمر الثورة السورية المجيدة المديدة، وما وصلت إليه وهي تقتحم العام السادس وصلنا إلى العجب العجاب.

الثورة السورية العظيمة ثورة  تكاد تواجه العالم بأكمله، تواجه على الأرض السورية الجزء التحتي المظلم المشارك من كل دول العالم، تواجه الطائفية والباطنية والوحشية والأحقاد والأطماع والنفاق وكل دولة منغمسة لها من ذلك نوع ونصيب، كل الدول ولغت وتلغ في الدم السوري الشريف، كلهم شركاء ويلغون بدمائنا بذرائع شتى، كلهم شركاء نعم، ولكن، ولكن ماذا عن السوريين أنفسهم؟ أليسوا بشركاء؟ تمعنا في ذلك وتعمقنا واختبرنا سوريين غير التابعين للنظام والمتورطين معه، وهم ذووا أغلبية وسواد، نعم هم سواد في سواد سواد كثرة وسواد غثاء.

تمعنا في رجل الأعمال السوري الذي أنفق مليوني دولار في بيروت لعرس ابنته، وكان خارج هذا الحساب ثوب الزفاف الذي ناهز الـ400 ألف دولار، وفرح مع المدعوين السوريين حتى الصباح في نفس الليلة التي مات فيها من الجوع خمسون في مضايا.

ومن قبله أنفق سوري آخر في يوم مذبحة الحولة 100 مليون دولار لزفاف ابنته في قاعة فرساي بباريس. أحد المتمعنين قال: هؤلاء شركاء لآل الأسد بطريقة أو بأخرى، ولم يجمعوا مالهم إلا في عهدهم، وتحت وصايتهم، وتساءل كم رجل أعمال في سورية كوّن عشرات الملايين من غير أن يلمس حق غيره، ولم يدخل بطنه مال حرام، لا من رشوة، ولا من شراكة قذرة، ولا من تسهيلات، وتصريفات، وعطاءات راسيات، كم ومن وكيف؟

قال: غيروا وجهة تمعنكم، وقولوا رأيكم فيمن هو أولى بالتساؤل والتعجب: شيخ سوري، عالم شهير معارض وجّه أموال المتبرعين السوريين الدافقة إلى افتتاح مدارس ومعاهد في مصر، أو الذي وجّه متبرعين لطباعة كتبه الكثيرة العديدة التي جاوزت عشرات في زمن الثورة السورية المجيدة، وكل كتبه لا علاقة لها بالثورة، لا من قريب ولا من بعيد، ومن أمثالهما أشكال وأرقام.

وبعد تمعن طويل، وأمثلة عديدة، قررنا أن نجري بحثين ميدانيين: أحدهما في الداخل، والآخر في الخارج، واخترنا لذلك معنيين بالثورة ومعلنين لها.

في الداخل كان هناك كتيبة مجاهدة أغلب مقاتليها من قرية شهدت مذبحة من شبيحة بشار في ريف حماة، طلبنا من قادة الكتيبة أن يستطلعوا ثروات الأغنياء الذين مازالوا في القرية، وأن يستقوا أرقامهم من مصادر عليمة، وأن يجيبوا على سؤال: ماذا لو خصص هؤلاء ربع ما عندهم من أموال للثورة ومقارعة الطغيان الذي نالهم وذبح أبناءهم ويستمر؟ بعد أيام كان الجواب صدمة ولطمة: لو أنفق أثرياء القرية ربع مالهم لجنّدوا وموّلوا ألفا من المقاتلين لسنتين كاملتين، إنها قرية واحدة من مئات القرى المحررة.

وفي الخارج اخترنا مجموعة كبيرة من المعارضين اجتمعوا في مؤتمر، وكانوا جميعا يتساءلون، ما العمل؟ كيف نؤمن الدعم والحشد والاستمرار؟ وسألنا خبيرا بهم، حاضرا بينهم: ماذا لو تبرع هؤلاء بربع مالهم للثورة ولدعم المجاهدين على الأرض ؟ جال الخبير في القوم ببصره، وقال أمهلوني للغد أتعمق وأتحقق، وفي الغد أتى مذهولا وأذهلنا بقوله: هناك ثلاثون منهم لو أنفقوا ربع مالهم لجنّدوا وموّلوا جيشا من عشرين ألفا لسنتين, ولكن ظني بهم إن طرحتم الأمر أن يفروا ويغادروا على الفور.

وفي نفس اليوم أتانا أحد العاملين السوريين من حمص، وكان سكرتيرا لأحدهم، وقد سمعنا خلسة، وظن أننا ننفذ الأمر، ولا ندرسه فقال ما أملكه هو ستة آلاف دولار وسآتيكم بربعها اليوم، لقد أسكت الجميع، ولم يجد أحد منا كلاما يليق بهذا الشاب الحمصي.

وحتى لا تكون نماذجنا المدروسة صدف وطفرات استطلعنا أماكن أخرى في الداخل واستعرضنا مجموعات أخرى معارضة في الخارج، ووصل بنا التدارس مع الأرقام إلى أمر أكيد، و مفاد وحيد أن عوامل الانتصار في الثورة السورية كلها كامنة فينا.

الدول اللاعبة بسورية كلها تضغط وتهدد اليوم (إن لم تُذعنوا للإرادة الدولية المبقية على بشار فسيتوقف عنكم كل دعم) وكثيرون يخشون أن يتوقف دعم الفتات هذا، ولا يعلمون أن ما عندنا وفينا يكفينا ويفيض لو كان هناك روح وعنفوان وقيم.

إنه وقت العسرة فلابد من رجال العسرة ولابد من قيم العسرة ولابد من أخلاق العسرة بل لابد من فقه العسرة، أحكام ومسائل وموجبات يستنبطها العلماء المجاهدون تجعل بإذن الله لهذه الثورة مع العسر يسرا، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست