صالت وجالت الآراء المعترضة والمستهجنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عند انتشار خبر مفاده: أن كنيسة أرثوذكسية بالمنيا رفضت الصلاة على جثمانين لعروسين من الطائفة البروتستانتية توفيا في حادث اختناق، بدعوى الوحدة المسيحية ودعوة السيد المسيح إلى المحبة وأن الطقس الكنسي وضع لأجل الإنسان وليس العكس، فما كان مني إلا الاستغراب لما في الاعتراض من مُبالغة ربما ترجع إلى المشاعر التي أثارتها الحالة التي توفي فيها العروسان.

من المعروف منذ قرون عديدة ماضية أن كل طائفة مسيحية، خاصة التقليدية منها، بها من الطقوس ما تدعو إلى التدقيق في إتمامها على المؤمنين والتابعين لها كما في كل الأديان، وهذا لا يُعارض المحبة؛ لأن المحبة تقوم على المشاعر الإنسانية الطيبة واحترام الآخر وقبوله كما هو برغم الاختلافات، لكن المحبة أيضاً لا تنفي تنظيم الحياة الدينية ووضع ضوابط لإقامة شعائرها، وإلا لترك المتدينون ضوابط شعائرهم الدينية وأصبحت كل الأديان في تعداد المفقودات وهذا ينافي إرادة الله ـ جل جلاله ـ في خلق الإنسان حراً مريداً في اختيار توجهاته الفكرية والدينية.

دعني أضع تشبيهاً توضيحياً: إذا دخلت وسيلة مواصلات أو مؤسسة ما ووجدت لوحة تحمل عنوان “ممنوع التدخين” أو إذا رأيت الإشارة حمراء أثناء قيادتك للسيارة في طريق مزدحم، هل ستتهم المسئولين بعدم محبة الشعب؛ لأنهم وضعوا عراقيل أمامهم، أم أنك ستشكرهم على تنظيم الحياة في المجتمع بوضع شروط معينة وخطوات لازمة لقبولك مواطنا كامل الأهلية، أظن أن الانطباع الأخير هو الذي سيتحقق بغض النظر عن الأفعال الشاذة التي تصدر من بعض المواطنين ضد هذا التخطيط، هكذا الكنيسة الأرثوذكسية تضع خطوات وشروط معينة لتنظيم حياة مؤمنيها وهذا لا يؤثر على تقديم محبتها للجميع، حتى لمن يكرهونها أو من حادوا عن تخطيطها.

ليس جديداً على الكنيسة الأرثوذكسية كما الكنيسة الكاثوليكية تنظيم طقوسها ووضع خطوات على المؤمنين أن يخطوها؛ لكي ينضموا إليها أو يتمتعوا بشعائرها، فعلى سبيل المثال: لا يُقبل أن يتزوج إنسان داخل الكنيسة الأرثوذكسية إلا إذا اعتمد بمعمودية أرثوذكسية، أما عن الكنيسة البروتستانتية فهي لا تؤمن بالطقوس من الأساس، وهذا ما جعلني أتعجب من موقف أهل العروسين المتمسك بالصلاة على الجثمانين في الكنيسة الأرثوذكسية بحسب الخبر المنشور على المواقع الإخبارية.

لقد أوضح كاهن الكنيسة الأرثوذكسية السابق الإشارة إليها، بإحدى المواقع القبطية، أن أهل العريس المتوفى هم من طالبوهم بالصلاة على جثمانه، بعكس ما فعل أهل العروس الذين أخذوا جثمانها إلى الكنيسة الرسولية التي أقيمت بها شعائر الزواج ليقيموا فيها الجنازة أيضاً، مما يثير التساؤل عن سبب رفض أهل العريس إقامة صلاة الجنازة في نفس الكنيسة التي أقيم بها الزواج، وهي الكنيسة الرسولية البروتستانتية، أليس بالأولى أن يصلوا صلاة الجنازة على الفقيد في كنيسة زواجه؟

وأضاف ذلك الكاهن أن الكنيسة الأرثوذكسية قامت بواجبها الإنساني في تعزية أهل المتوفي، كما عرضت عليهم استخدام قاعة العزاء لتلقي التعزيات، إذن لا توجد أية كراهية من أي نوع كما روّج البعض على مواقع التواصل، فليست الكنيسة طائفية أو متطرفة، إنما دعونا نسميها متدينة أو متمسكة بطقوسها، وهذا أقل واجب عليها، فهي ليست دار للمناسبات تسعى لترضي الزبائن حينما وجدوا، هي مؤسسة دينية تقدم المحبة والسلام والواجب الاجتماعي والإنساني، دون أن تتعدى الوصايا التي تسلمتها من السيد المسيح عبر أسلافها للحفاظ على العقيدة والنظام الديني داخلها.

أما عن الوحدة المسيحية فهي لا تأتي بالعواطف الإنسانية الجامحة، إنما بالنقاشات والصلوات والاجتماعات الهادفة؛ للوصول إلى إرضاء الله بطرق صحيحة ليست هوجاء، لكي تتشكل بقوة الله وإرادته الصالحة بلا طيش أو اصطناع نندم عليه في المستقبل.

من جهة أخرى يعد إطلاق الاتهامات بالداعشية أو الوصم بالدعشنة من أسهل الأمور التي يمكن أن تشاهدها في عصرنا الحالي لكل من يصدر منه خروجاً عما يدعونها بـ “العلمانية”، بهذا الأسلوب الصبياني شوهوا مظهر العلمانية أمام الجميع، هذه التي من المفترض أن تقبل كل التوجهات الدينية “غير المتشددة” تحت مظلتها دون إجبار على التنازل عن أي من هذه التوجهات أو المذاهب أو المعتقدات، وهذا لن يتم إلا بأن تحتفظ كل مؤسسة دينية بحقها في تنظيم شعائرها، فهل قبول الآخر لا يجتمع مع احترام شروط إتمام الشعائر الدينية؟ كأنك بذلك تخيرني بين التزامي التعبدي ومحبتي للإنسان وهذا غير مقبول، لأن الالتزام بالدين والتعبد لا يضاد بأي حال من الأحوال تقديم المحبة لكل الناس من ضمنهم المختلفين معي في الدين أو العقيدة أو المذهب، إلا إذا كان هذا الدين يحض على الكراهية وهذا غير متوافر نهائيا في المنهج المسيحي بجملته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست