مراراً وتكراراً حاول الكتاب والمثقفون الفلسطينيون أن يضعوا حداً فاصلاً بين المتنفذين في صناعة القرار الفلسطيني وحركة فتح، وبين القواعد التنظيمية والعناصر الفتحاوية، عندما كان يدور الحديث عن سياسات التعامل وطبيعة العلاقة مع الاحتلال الصهيوني.

وكثيراً ما قيل أن القواعد الشعبية والكوادر المناطقية الفتحاوية ترفض حالة التنسيق الأمني، الذي وصل إلى مراحل خطيرة باتت تهدد أي عمل مقاوم أو حتى مجرد التفكير في عمل ينال من هيبة دولة الاحتلال ويردع جنودها ومستوطنيها.

هؤلاء الجنود والمستوطنون الذين أوغلوا في دماء الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، ليس ابتداء بحروب غزة الثلاثة، والتهويد، والاستيطان، واقتحام الأقصى ومحاولات تقسيمه، وحرق الطفل أبو خضير وعائلة دوابشة، وليس انتهاء بعمليات الإعدام التي لا تتوقف في كل لحظة ودون أي مبررات وبدم بارد ودون رادع.

لكن التصريحات الأخيرة التي أطلقها رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، والتي كشفت عن الوجه الحقيقي لتعامل أجهزة السلطة ونظرة قادتها للانتفاضة الشعبية التي انطلقت مطلع أكتوبر المنصرم، والتي استشهد خلالها 165 فلسطينياً، لا زالت جثت عدد منهم رهن الاحتجاز الصهيوني، وأصيب واعتقل الآلاف، فيما هدمت عشرات البيوت، كشفت أيضاً عن استسلام فتحاوي كامل لسياسات هذه الفئة المتحكمة الحاكمة.

وكان ماجد فرج صرح  للمجلة الأمنية الأمريكية “ديفينس نيوز” بأن أجهزة الأمن الفلسطينية ستستمر في التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الصهيونية، كاشفاً عن إفشال 200 عملية فدائية كان مزمعاً تنفيذها ضد الاحتلال، واعتقال 100 شاب من شبان الانتفاضة.

وكنا ننتظر أن يظهر ماجد فرج وكأنه صوت نشاز لا يعبر عن تطلعات الحركة الفلسطينية الكبيرة، لكنها وللأسف أظهرت عكس توقعاتنا وآمالنا.

فقد انقسمت فتح إلى قسمين لا ثالث لهما، الأول وقف مدافعاً عن تصريحات فرج التي تفاخر خلالها بالتنسيق الأمني وإفشال 200 عملية فدائية واعتقال 100 ثائر فلسطيني، فيما لاذ أصحاب القسم الثاني بالصمت المطبق، وكأنهم طبقوا فعلاً المقولة الفيسبوكية “اعمل نفسك ميت”.

ومن وجهة نظري فإن كلا الفريقين أظهر الحالة الحقيقية التي وصلت إليها حركة فتح، فقد استسلمت لواقع فرضه عليها من يتفردون بالقرار الوطني الفلسطيني، ويصرون على إبقاء حالة الانقسام، خوفاً من الوحدة الوطنية التي ستؤدي حسبما يعتقدون إلى انهيارهم شعبياً بسبب برنامجهم السياسي الذي أثبت فشله على مدار أكثر من عشرين عاماً.

استسلام جعل ماكينات الإعلام الفتحاوي ومن لف لفها تعمل بكامل طاقتها في محاولة إخفاء الحقيقة في بداية الحملة عبر إخراج مسودات مترجمة للحوار مع المجلة الأمريكية، دون إظهار حديث ماجد فرج عن الانتفاضة وإفشال العمليات وممارسة الاعتقال السياسي للثائرين والشباب المنتفضين، وهو ما فشلوا فيه بعد إبراز النسخة الانجليزية كاملة أمام الناس والمتابعين.

بعدها انتقل هؤلاء لمحاولة تبرير هذه التصريحات وتفسيرها تفسيرات أقل ما يقال عنها أنها صبيانية، ولا تنطلي على طفل من أطفال الشعب الفلسطيني، لأن توجه هذه الأجهزة لم تفضحه فقط تصريحات ماجد فرج الأخيرة، بل سبقتها ممارسات شاهدها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، وما “جماعة البيجامات” الذين تصدوا للشبان ومنعوهم من الوصول لحواجز ومواقع الاحتلال عنا ببعيد.

هذا النهج الفتحاوي في التساوق والترويج والتبرير لتصريحات ماجد فرج التي لقت إجماعاً فلسطينياً (عدا حركة فتح)، بأنها ضربة في ظهر الانتفاضة الشعبية، جعل حركة فتح تظهر وكأنها في سلة واحدة، تروج للتنسيق الأمني وتصفق لرجالاته بعيداً عن إرثها النضالي وتاريخها المقاوم.

وأضحت مقولة أحد قادة حركة فتح التاريخيين التي أبدى فيها تخوفه من تحول الخيانة إلى وجهة نظر واقعاً موجوداً بأبشع صوره، فقد بات من يمارسه وينظّر له ويعمل على تقديسه، مناضلاً تستهدفه سهام الاحتلال، ويجب الوقوف معه والدفاع عنه في وجه المشككين والمتسقين مع الاحتلال.

باختصار فإن قواعد حركة فتح المغلوبة على أمرها أصبحت مطالبة وبشكل جدي وأكثر من أي وقت مضى بإيضاح موقفها من كل ما يجري، وإعلاء صوتها برفض هذه الممارسات التي أساءت للشعب الفلسطيني وجعلته رهينة في يد الاحتلال الصهيوني بسبب الحماية الأمنية التي توفرها أجهزة السلطة له دون مقابل.

ولا يمكن لعاقل أن ينكر تاريخ وبطولة حركة فتح ورجالها وشهدائها وأسراها على مدار سنوات الصراع، لكنها إذا أرادت أن تعود إلى مكانها الصحيح، وموقعها السليم كحركة تحرر وطني تعمل على استعادة الحقوق وتحرير الأرض وتطهير المقدسات وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، فعليها أن ترفض أن يلطخ هؤلاء سمعتها وصورتها بالعار وتبترهم من جسدها المثقل بأمثالهم حتى تتعافى وتعود قوية ثائرة كما عرفها شعبها وأمتها على مدار تاريخها الطويل.

وعليهم أن يجيبوا على التساؤل بصراحة، هل يمكن أن تضحوا بفتح ومبادئها ومنطلقاتها وتاريخها وتضحياتها من أجل أن يعيش زعيم التنسيق ماجد فرج، وبعبارة أخرى هل تموت حركة فتح لأجل أن يعيش ماجد فرج؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست