محجوب عمر … لو تقرأ لميس جابر شيئا عنه

معن البياري

هناك حالةٌ، في مصر، بالغة الشذوذ في عنصريّتها، اسمها لميس جابر. لا تكتفي هذه السيدة بعدائها لثورة يناير، بل تطلب، في أحدث جولات انحطاطها السياسي، إلى إلغاء شهر يناير من شهور السنة “يجب أن نَخُشّ على طول في فبراير”. ولم تستحِ عندما قالت إن ثوار 25 يناير هم من قتلوا أنفسهم من أجل “أن يُلبّسوها لمبارك”. كافأها عبد الفتاح السيسي، أخيراً، باختيارها نائباً في البرلمان. وللحق، هي تُحسد على قدرتها في مراكمة السوءات والرداءات التي بلا عدد في شخصها، عندما تثرثر في غير شأن. وقد أفادتنا أخيراً، لا فضّ فوها، بأن الأزمة السعودية الإيرانية الراهنة “شغل أمريكان”. وإذا كان ظريفون في مواقع التواصل الاجتماعي يجدون في لميس جابر مادةً تبعث على التنكيت، فبجديّة، أزعم، هنا، أن حالةً بهذه التفاهة السياسية والأخلاقية باتت تتطلب حلاً غير كلاسيكي. قالت أخيراً، إن الفلسطينيين دائمو البحث عن وطنٍ بديل. وتساءلت عن سبب تسمية فلسطين المحتلة على الخريطة، فيما العالم وضع إسرائيل، ودعت إلى الخلاص من “تمثيليةٍ اسمها القضية الفلسطينية”. وليس معلوماً ما إذا كان أهل الحل والعقد في مصر سيأخذون بمطالبها (قبل النيابة)، ومنها “طرد الفلسطينيين ومصادرة أملاكهم والقبض على كل متعاطفٍ معهم، واتهامه بالخيانة العظمى”.

معلوم أن لميس جابر طبيبةٌ وكاتبة، وقد يسّرت كشوفاتها السياسية المستجدّة شهرةً لها أهم من التي يسّرتها زيجتها من يحيى الفخراني. ومقترح هذه السطور، مساهمةً في إيجاد علاجٍ لهذه الحالة المستعصية، أن يُخبرها من في وسعه أن يخبرها أن طبيباً وكاتباً مصرياً، اسمه رؤوف نظمي عبد الملك ميخائيل، تحتاج إلى أن تحفظ اسمه جيداً، وأن تقرأ سيرته، وتتعرّف إلى تاريخه البديع، أن تطالع كتبه، أن تعرف مصر في شخص هذا النبيل الكبير، رحمه الله. … في مساره النضالي والوطني والعربي كل الرد على السخافات التي تنطق به تلك السيدة النائب التي تحتاج حقاً أن تعالج نفسها من العُصاب الذي يستبدّ بها، بالتعرّف جيدا، وفي جرعاتٍ يومية من المطالعة عنه، لعلها تتعافى بعض الشيء. ذلك أن مصر التي نعرفها، وسنظل نعرفها، ليست التي تمثلها لميس جابر في برلمان عبد الفتاح السيسي، بل التي كان يمثلها محجوب عمر، (الاسم الحركي الذي اشتهر به رؤوف نظمي …)، لمّا كان مقاتلاً مع الفدائيين الفلسطينيين في أغوار الأردن، وطبيباً يعالج جرحاهم. ولمّا غادر معهم إلى لبنان، وهناك، في حصار مخيم تل الزعتر، كان قدّيساً في انتسابه إلى الضحايا والمصابين، وفي أثناء اجتياح بيروت، كان هذا المصري الصعيدي، العربي، المسيحي الماركسي، محارباً، ويواجه إسرائيل بثقته بفلسطين وشعبها، وبأمته، وبمصر في مقدمتها. كان مصرياً بين الفلسطينيين، وبعد أوْبته إلى القاهرة، بعد خروجِ المقاومة من لبنان، كان فلسطينياً بين المصريين، كما كتب عنه، إلياس خوري.

لم أتشرّف بالتعرف إلى هذا الذي “تجمع حكمته العميقة بين محمد والمسيح، وبين ماركس وأبي ذر الغفاري”، كما وصفه جمال البنا. ولم تقع بين يدي أيٌ من كتبه، وأحدها يضم نصوصاً من وحي تجربته في مستشفى الأشرفية في عمّان، إبّان أيلول الأسود 1970، وآخر عن “صبرا وشاتيلا” وثالث “حوار في ظل البنادق” (من يعيد إصدار هذه الكتب؟). ولكنْ، قرأت عنه الكثير، أنه كان في مقدمة من يستقبلون الفدائيين الآتين إلى الميناء في تونس، وأنه كان يرى مدخل التغيير في مصر والعالم العربي مرتبطاً بالتصدّي لإسرائيل. ومن سيرته (توفي في 2012)، أنه سجن عشر سنوات زمن عبد الناصر، وانتسب إلى الثورة الجزائرية طبيباً فيها، وبعد هزيمة 1967 كانت المقاومة الفلسطينية مقامه.

النصيحة هنا ألا تشغلنا بشيء لميس جابر. وأن نتذكّر فور أن نصادفها على شاشة تلفزيون، وأمام منبر برلمان، وفي أي جريدة، بأن نتذكّر مصرياً عظيماً، طبيباً وشاعراً وكاتباً ومقاتلاً، كان اسمه محجوب عمر، أو رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك.