جمال عيد

وائل قنديل

بات مطار القاهرة أخطر الأماكن في العالم، وكأنه تحول إلى كمين أمني، يصطاد المغادرين والواصلين، بصرف النظر عن جنسياتهم، مجسداً حالة من رعب النظام من أي زائر أو مسافر.

توقيف الناشط الحقوقي، جمال عيد، ومنعه من السفر، فجر أمس، يأتي في سياق متصل من الإجراءات الأمنية الغبية التي تطاول المصريين وغير المصريين، والحالات عديدة، أحدثها ما جرى مع الكاتبة والأكاديمية التونسية، آمال قرامي، وقبلها استيقاف الكاتب فهمي هويدي، غير مرة، انتهت إحداها بحرمانه من السفر، والآخر اقتصرت على تعطيله أوقاتاً، كوسيلة مهينة لإيصال رسائل سياسية، ثم واقعة الصحافي الشاب، إسماعيل الإسكندراني، وواقعة الكاتب الصحافي، وليد الشيخ، المقيم في ألمانيا، والباحث عاطف بطرس الذي منعته سلطات المطار من دخول بلده مصر، وأعادته إلى برلين، ممنوعاً من دخول مصر مدى الحياة.

ارتبطت الحالات الثلاث الأخيرة بسفارة مصر في برلين التي تشير مجريات الأحداث إلى أنها تحولت إلى غرفة ملحقة بالدائرة الأمنية في المطارات المصرية، إذ لم تكن غائبة أيضاً عن حادثة توقيف الحقوقي جمال عيد، ومنعه من السفر، حيث كان جمال عيد قد كتب على”فيسبوك” يقول “هذا الرجل من وطني، شباب من وطني يشتكون أنه سبب نفي واعتقال وتوقيف بعضهم بالمطار، بدر عبد العاطي سفير، لا نفخر به، ما يفعله، لو صح، عار”.

لا تنسى، أيضاً، أن جمال عيد ينتمي إلى تلك السلالة من الحقوقيين التي تغذت على خبزٍ نظيف، صنعه الثائر الراحل، قديس حقوق الإنسان، أحمد سيف الإسلام، والد علاء وسناء ومنى، وكان آخر ما نشره جمال قوائم المتهمين في مذبحة “موقعة الجمل”، وإعادة نشر الكتاب التوثيقي الرائع الذي أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن شهداء ثورة يناير.

الشاهد أن البلاد تقرأ من مطاراتها، كما يقرأ الخطاب من عنوانه، أو يمكنك القول، إنه إذا أردت أن تتعرف على الحالة النفسية لبلدٍ ما، انظر لإجراءات دخولك وخروجك من مطاراته، فالدول التي تعيش بالقانون، وتعرف معنى احترام الإنسان وحقوقه، تشعر فيها بأنك تتعامل مع جهاز كمبيوتر ذكي، يتعامل مع دخولك وخروجك بخطوات حسابيةٍ سريعةٍ ودقيقة، تحترم وجودك، فما بالك بمطارات الدول المستقبلة للسائحين؟

في مطارات إندونيسيا، مثلاً، يستقبلونك بوردة، ويودعونك بانحناءة مهذبة، مصحوبة بعبارة “تصحبك السلامة”. أما في مصر، يكاد واقع الحال يقول، إنه عما قريب سيضعون لافتة عريضة في استقبال القادمين تقول “مرحباً بكم في بيت الرعب”، حيث كل قادم متهم مدان، حتى تثبت براءته، وكل مسافر مشروع للمنع من السفر، كون المسألة تتوقف على الحالة المزاجية والذهنية للموظف المسؤول عن إجراءات المغادرة، وكم من الحكايات تُروى عن منع من السفر من دون قرارات منع، إذ لا يحتاج الأمر أكثر من ألا يعجب شكلك الموظف، فيرفع سماعة الهاتف، ويقول لطرف خفي أمامي فلان، فيأتيه الرد: لا يسافر.

في الدولة الخائفة، المرعوبة، يحدث أكثر من الشك في المواطنين والأجانب، وصولاً ومغادرة، فيصل الأمر إلى الإخفاء القسري، المنتهي بظهور الجثة، وبها آثار التعذيب، ليعقبها تصريح من وزارة الداخلية يقول، إن المذكور مات في حادث سيارة، كما هو الموقف في حالة الشاب الإيطالي الباحث في جامعة كمبريدج الذي جاء إلى مصر، لإجراء دراسة عن التنظيمات العمالية والنقابية، فاختفى منذ الخامس والعشرين من يناير، وظهر جثة مشوهة أمس.

هذا وضع طبيعي في دولةٍ لها برلمان يرأس لجنة حقوق الإنسان فيه من يعلن أنه يستطيع أن يحرق بيوت ألتراس كرة القدم، ويعتبر استدعاء زوجات المعارضين وشقيقاتهم وأمهاتهم إلى سلخانات الشرطة أسلوباً مناسباً للضغط على من يريد القبض عليه وابتزازه. تعلم الحكومة الإيطالية، بالطبع، أن الرجل الذي تدعمه سياسياً ومالياً وصل إلى حكم مصر عبر أكثر من مقتلة جماعية، وأنه أول محرضي أفراد الأمن على القتل بقولته الشهيرة “اقتل أيها الضابط ولن يحاكمك أحد”. ومع ذلك، تسكت روما، كما تسكت باريس وبرلين عن فظاعاته، بحجة أنه جندي نموذجي في مشروع الحرب على الإرهاب.