ميشيل كيلو

للمرّة الألف، ليست روسيا راغبةً في حل يطبق قرارات مجلس الأمن الدولي التي سبق أن وافقت عليها، وخصوصاً منها وثيقة جنيف، والقرار 2118 الخاص بتطبيقها. ولكن، لديها حل للمعضلة السورية من شعبتين: واحدة سياسية، تقترح دمج معارضين في النظام الأسدي الذي يمكن لصورته أن تشهد بعض التبدل، لكي تستمر بنيته في شكلها الحالي. وأخرى عسكرية، تريد سحق الجيش الحر والقضاء عليه، وتحقيق حل عسكري صرف، ليس فيه أي طرف آخر غير النظام. لن يبقى بعده أي التباس حول هوية المنتصر، يجري تطبيقه منذ أربعة أشهر ونصف الشهر، بعنفٍ لا هوادة فيه، يطاول جميع المناطق التي يمسك بها الجيش الحر أو رابط فيها، والتي فتح الجحيم الروسي شدقيه، وصبَّ عليها ناراً تحرق آلاف السوريات والسوريين شهرياً، جلهم من المدنيين الذين تنقض عليهم صواريخ وقنابل تطلق عن قرب، ومن آلاف الكيلومترات، لا تترك لهم زرعاً أو ضرعاً، وتدمر ما ومن نجا من إجرام أسدي استهدف الشعب، طوال فترة ما بعد الثورة.


واليوم، يقول وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إن بلاده “لن توقف عملياتها الجوية قبل تحقيق الانتصار على الإرهابيين”. ويضيف، بلغةٍ مفعمة بالسرية والغموض، إن لدى موسكو أفكاراً بشأن وقف إطلاق النار لن تفصح عنها قبل مناقشتها مع الأميركيين الذين يبدو أن موافقتهم عليها ضرورية، لتنفيذها تحت عباءة تفاهمهما على سير الأمور في بلادنا، الأمر الذي يفسر صمت واشنطن على غزو الجيش الروسي سورية، واحتلاله مناطق بنى قواعد جوية في غربها البعيد عن سيطرة داعش، وبقيامه بقصر حربه على الجيش الحر. قال لافروف بصراحة: لن يكون هناك حل سياسي، وأكد بتبجح أن العمليات العسكرية الروسية ستستمر حتى تحقيق الانتصار على الإرهابيين، أي على الجيش الحر. هدف قصف سلاح الجو الروسي الذي يركز كل طاقته عليه، ولم يستهدف، ولو بالخطأ، تنظيم داعش على بعد كيلومترات قليلة من مواقعه شمال حلب، بما أن التنظيم يسهم، هذه المرة أيضاً، في حصار مقاتلي الثورة وحشرهم بين فكي كماشةٍ، طرفها الآخر جيش النظام، شريكه الذي يفيد من وجوده ودوره في مناطق المعارك الحاسمة، حيث يضغط، بكامل قوته، على الثوار، ويهاجمهم ويقطع طرق إمدادهم ويضيق الخناق عليهم، ويخفف ضغوطهم عن جيش الأسد ويقوّض مقاومتهم له، بينما تشارك قوات سورية الديمقراطية “جداً” في المعارك، إلى جانب الروس والإيرانيين وتابعهيم. وتتولى احتلال المناطق التي تخطط لإقامة كيان عنصري ومعادٍ للعرب والكرد، وسواهم من السوريين فيها، فما يجري من معارك وتقاسم أدوار لا يقيم وزناً لمؤتمر جنيف الذي يعقد بإدارة شخصٍ، اسمه استيفان دي مستورا، ومتواطئ كبير على شعب سورية وثورته هو جون كيري، وكذاب هو بشار الجعفري، لقلوق المخابرات الإيرانية ومرتزقتها.
ليس في مخططات الروس والإيرانيين تطبيق ولو قرار واحد من القرارات الدولية الخاصة بتحقيق حل سياسي في سورية. في المقابل، هم يطبقون حلاً عسكرياً تمليه قوة مفرطة جداً تستهدف جدياً وجود الشعب السوري، لن تقوى أية نزعة سلمية على التصدي لها، ولا بد من الرد عليها بقوة وطنية منظمة، ومبنينة، تنبع من تصميم الشعب على بلوغ حريته. أما “جنيف” الذي يدمره الروس، عن سابق عمد وتصميم، بقنابلهم، وتلقي تصريحات مسؤوليهم في سلة المهملات بالقرارات التي يقال إنه سيتم تطبيقها، لبلوغ حل سياسي، فإنه سيبقى وراءنا، إلى أن نعيد ترتيب أوضاعنا ونصد غزاة وطننا، من مرتزقةٍ روس وإيرانيين، ويتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود في ميادين القتال.