بشير البكر

منذ بدايتها، لم تكن هناك مؤشرات على أن مباحثات جنيف سوف تفضي إلى حل للقضية السورية، يتكلل بتحقيق مبادئ جنيف 1 التي نصت على إقامة هيئة حكم انتقالي ورحيل بشار الأسد، بل إن حصيلة خمسة أيام من اللقاءات لم تكن مبشرة، في وقت جرى التعويل عليها لتكون مدخلاً لمفاوضات تدوم حتى يوليو/تموز المقبل، على أن تضع هيكلية تسوية بين المعارضة والنظام.


كان هناك طرف معطل، وأطراف تتفرّج أو تكتفي بالتصريحات والبيانات الإعلامية. والطرف المعطل بشهادة الجميع هي روسيا، صاحبة القرار الأول والأخير في سورية، وتبين خلال الأيام القليلة من المباحثات أن المفاوض عن معسكر النظام السوري هو نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، أما من يحمل صفة رئيس وفد النظام، بشار الجعفري، فليس أكثر من كومبارس يتم تلقينه الدور الذي يلعبه.
قامت استراتيجية الروس على رفض وقف إطلاق النار، واللجوء إلى التصعيد العسكري، لإيصال رسائل واضحة إلى قاعات المباحثات، فحواها أن الحديث للميدان أولاً. وقد تمكنوا، قبل انعقاد جنيف بوقت وجيز، من تحقيق إنجازات ميدانية لصالح النظام على جبهات الجنوب والساحل وحلب. وفي كل يوم يمر، صاروا يقضمون جزءاً أساسياً من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة التي وافقت على الدخول في عملية جنيف، في حين أنهم يحيدون داعش حتى الآن. ومن معاينة خط العمليات العسكرية وخططها، يتبين أن اتجاه الروس هو استعادة ما يعرف بسورية المفيدة من يد المعارضة، الأمر الذي تحدث عنه وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، صراحةً، عندما قال، يوم الثلاثاء الماضي، إن الروس يعملون لإقامة “دويلة علوية” لبشار الأسد. ولكن، لكي تعيش هذه الدويلة، لا بد أن تشمل رقعتها كل مصادر الثروة.
رفض الروس إدخال المساعدات، واستمرت حرب التجويع، بل استخدموا الغذاء والدواء أسلحة قتل، فمن لا تصل إليهم صواريخ الطائرات والبوارج الروسية، يتم قتلهم عن طريق الحصار ومنع الغذاء والدواء. ووصل العار الروسي إلى حد معاملة المدنيين على نحوٍ يقارب الممارسات النازية في الحرب العالمية الثانية، بتسوير بلدةٍ مثل مضايا بالأسلاك الشائكة. ولم يحرج الروس أن مدينةً، مثل دير الزور، يحاصرها طرفان، النظام وداعش، بحيث يمنعان عن قرابة نصف مليون مدني الطعام والدواء.
تصرّف الروس تجاه جنيف باستهتار شديد، واستخدموه ورقة مناورة، لرفع الحرج عن أنفسهم وعن النظام. ولذا، وضعوا شروطاً تعجيزيةً، قبل أن يتراجعوا عنها، مثل تشكيلة وفد المعارضة، وكشف عدم تمسكهم بمشاركة الوفد المحسوب عليهم في الأيام الأولى من جنيف عن حساباتٍ سياسيةٍ دقيقة. ولذلك، أوعزوا إلى كل من هيثم مناع وصالح مسلّم بأن يتريثا قليلاً، وأقنعوهما بأن دورهما سيأتي لاحقاً، أي بعد أن تكون روسيا قد أنهت وجود المعارضة على الأرض. وطالما أن عملية جنيف ستمتد حتى يوليو، فسيكون مناع ومسلم من رجالات المرحلة اللاحقة التي سيتم تكريسها لمحاربة إرهاب داعش.
ليس هذا مخططاً من وحي الخيال، بل حصل علانية في جنيف، ويقوم به الروس في الميدان. ومن المؤسف أن هذا المخطط يتقدم بسرعة شديدة، على وقع الخطب الإنشائية لوزير الخارجية الأميركية، جون كيري، والتصريحات العنترية لحلفاء المعارضة الذين لم يسلحوها بالسلاح النوعي، من أجل الدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها.
ولا يقل المبعوث الدولي، ستيفان دي ميستورا، تواطؤاً عن كيري، حين يقدم ضمانات للمعارضة من أجل حضورها للمحادثات، ثم يعلن تعليقها من دون تحميل الروس المسؤولية عن فشلها.
هناك درس بسيط جداً من فشل الجولة الأولى من جنيف، هو أن عودة المعارضة إلى المباحثات من دون استعادة المبادرة العسكرية لا جدوى منها، وهذا الدرس للسعوديين والأتراك، قبل الهيئة العليا للمفاوضات.