الجعفري: “بنادول” لمن يريدون تقسيم سورية (2 فبراير/2016/Getty)

خورشيد دلي

حقيقة، وخلافاً لموجة الردود الساخطة والمندّدة من مثقفين وسياسيين كرد، لا أعرف هل ينبغي توجيه الشكر إلى رئيس وفد النظام السوري إلى مفاوضات جنيف، بشار الجعفري، عندما قال إنه ينصح بتناول حبة بنادول لمن يريدون تقسيم سورية، في إجابته عن سؤال لمراسل قناة روداو الكردية، بشأن مطالب كرد سورية بالفيدرالية، فالثابت، في كلام الجعفري، أن تصريحه، وإن حمل شيئاً من السخرية والاستهزاء، إلا أنه لم يخرج عن موقف النظام من القضية الكردية، بل وعن القرارات الدولية، إذ هناك 13 قراراً دولياً صادراً عن مجلس الأمن الدولي، تؤكد جميعها الحفاظ على وحدة سورية. وأبعد من هذا، فإن موقف المعارضة السورية المتمثلة بالائتلاف لم يختلف كثيرا عن موقف النظام، لجهة رفض مطلب الفيدرالية، إذ رفض في أثناء انضمام أحزاب من المجلس الوطني الكردي إليه إدراج هذا المطلب في وثيقة الانضمام، بل ظل على الدوام يرفض مثل هذه المطالب، وينتهج سياسة التأجيل، بحجة أن مثل هذه القضايا يجب أن تُبحث لاحقاً.


ربما أراد الجعفري القول، وبطريقة غير مباشرة، إن الفيدرالية مجرد وهم، ويجب نسيانه. وهنا، ينبغي، وللإنصاف، القول مرة أخرى، إن الحق ليس على الجعفري، بل على الكرد، إذ إن شكل وجودهم في جنيف يعبر عن الطريقة الكارثية لممارسة الكرد السياسة، عكس ممارستهم القتال على الأرض، فبدلاً من أن يكونوا وفداً واحداً، وبرؤية واحدة، يطرحون مطالبهم على الجميع، نجدهم مقسمين بين وفدي النظام والمعارضة ووفد مجلس سورية الديمقراطية. ولو كان هناك وفد رابع لوجدنا فيه ممثلين عن الكرد. هل هي لعنة الانقسامات السياسية والحزبية التي دمرت الكرد قبل كل شيء وتلاحقهم أينما كانوا؟ سؤال ربما تجد الإجابة عليه في وجود قرابة خمسين حزباً كرديا اليوم في سورية (هل من تفسير منطقي لهذا العدد الخرافي؟)، وكذلك في الانقسام الشديد الحاصل بين مجلس غربي كردستان، المحسوب على النظام السوري وإيران وروسيا، والمجلس الوطني الكردي المحسوب على إقليم كردستان وتركيا.
وعند الحديث عن تركيا، لا بد من التطرق إلى الاستماتة الكبيرة التي أبدتها أنقرة لمنع حزب الاتحاد الديمقراطي من المشاركة في جنيف، وهل كان مثل هذا الإصرار ينسجم مع الشعارات التركية التي قالت، وتقول، إن جميع السوريين يجب أن يشاركوا في مستقبل سورية، بل هل كان الموقف التركي في صالح تركيا نفسها؟ ربما حجة تركيا أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. ولكن، ألم تدخل الحكومة التركية نفسها في حوارٍ مع حزب العمال الكردستاني؟ وإذا ما أدركنا أن حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري “وحدات حماية الشعب” يسيطر على معظم المناطق الحدودية السورية مع تركيا، ألم يكن من مصلحة تركيا الانفتاح على هذا الحزب والتعاون معه، سواء لمواجهة تعاظم خطر داعش عليها كما تقول، أو حتى لوضع هذا الحزب تحت الاختبار، لجهة التأكد من وجود علاقة بينه وبين النظام؟ مع أن المؤتمر لا يوحي بأي أمل لإنهاء المأساة السورية المفتوحة، إلا أنه بين “بنادول” الجعفري في جنيف و”الفتيو” التركي قبل جنيف. ثمّة لعنة تلاحق الكرد، وهي خسارة ما يكسبونه على الأرض في محافل السياسة وغرفها المغلقة، وإلا كيف يمكن تفسير أن الدعم الأميركي والروسي الكبير لحزب الاتحاد الديمقراطي لم ينجح في وضعه على طاولة جنيف؟ لعل الجواب يأتي في سياق السياسة القديمة، التي تقوم على استخدام الكرد ورقة أمنية في هذا الظرف أو ذاك، إلى أن تتقلب دورة الأقدار على وقع المصالح الدولية، فتتكرّر المأساة الكردية التي تحدث عنها الشاعر الكردي الراحل، شيركو بيكس، كثيراً وطويلاً.