الحوار الوطني لن يمنع كارثة محتملة في السودان (10اكتوبر/2015/Getty)

طارق الشيخ

خلاف في المنهج، واختلافات على أسلوب الحكم، وإحباط كبير أصاب قيادات في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان. خفتت الأصوات التقليدية التاريخية المعروفة في الحركة الإسلامية في السودان، ونأى بعضهم بنفسه عمّا يجري في البلاد، وظهرت أصوات جديدة يثير أمرها تساؤلات. وحتى الحوار الذي نظر إليه بعض خصوم الحكم على أنه محاولة جديدة لإعادة تجميع الفسيفساء التي أحدثتها الصراعات والخلافات التي ضربت ثبات التنظيم. أسماء عديدة تطايرت ممن كانوا قيادات للحركة الإسلامية، أو من بزغ نجمهم عقب انقلاب الحركة الإسلامية في السودان عام 1989، وفي عهد حكم الرئيس عمر البشير.

أسماء ممن كانوا ملء السمع والبصر في الحكم، مثل غازي صلاح الدين الذي تقلب في المناصب، ونافع علي نافع، وكان من أكثر الناس حماسا للحكم الانقلابي، وله فضل في إدخال قاموس جديد غير مسبوق في “الشتائم ” السياسية في السودان، اشتهر بها، وصارت متداولةً ورائجةً ترمز لما بلغته الطبقة السياسية الحاكمة، وصلاح قوش رئيس جهاز الأمن السابق منذ أيام الانقلاب الأولى الذي لم يفقد فقط منصبه، بل طاولته يد الاعتقال والسجن والتشهير حيناً من الوقت. آخرون خفت نجمهم، وآثروا الانزواء والنأي بأنفسهم عن التنظيم، شأن القيادي قطبي المهدي وحسن مكي. دوّن بعضهم تجربته في الحكم في مقالات وكتبٍ، تتوارى معها أكثر كتب المعارضين للنظام ومقالاتهم جرأة وغزارة في المعلومات المسنودة بالوثائق، عن انحرافٍ عن جادّة الصواب، والفساد والتجاذبات والفضائح التي يندى لها الجبين.
في مقابلةٍ صحافية نشرتها صحيفة الانتباهة، المعروفة بارتباطها القوي بالحكم في الخرطوم، نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، ونشرها موقع الراكوبة السوداني، يلفت النظر اختيار عنوان مثير للمقابلة نقلاً عن قطبي المهدي “أنا ما داخل منظومة الحزب الحاكم، وبحذرك أن تقولي إنني قيادي في الحزب”. ثم جاءت الصحافية التي أجرت المقابلة بمقدمةٍ تشرح وبعمق ما يمكن تسميتها ظاهرة التشظّي والإنكار التي تعتري قيادات الحكم الحالي في السودان. تكتب عن محدثها في تقديمها “من الجيل القديم الذي جاءت به ثورة الإنقاذ، لكنه آثر في نفسه البعاد، والصمت لفترات طويلة طائعاً مختاراً نتيجة جملة من المتغيرات التي طرأت عليها، وتبدلت مواقفها عن كثير من المواقف الأولى، فأظهر خلافاته ووجهة نظره دون خشية، ومن أوائل الذين تبنوا نهجاً إصلاحياً داخل منظومة الحزب الحاكم قبل أن يستفحل الأمر، ويصل إلى ما هو عليه الآن”.
وتهمنا هنا الظاهرة، فقطبي المهدي يصل مبكراً، ومع مطلع المقابلة، إلى حقيقة يتكرّر ذكرها

“لا الحوار سيمنع وقوع الكارثة المحدقة، ولا تعنت الحكومة ومحاولتها بيع الوهم الذي لم يعد هناك من يشتريه”

في أدبيات الفاعلين المبتعدين، أو المبعدين في الحركة الإسلامية السودانية، يقول عن رؤيته للوضع السياسي الآن، إن السودان، وبسبب “الضغوط الكثيرة” يعيش حالة “من الفوضى في الإدارة العامة للبلد”. ويضيف “هذه الفوضى فتحت الباب أمام الفساد والتسيب والإهمال وعدم القدرة على التخطيط والعجز عن معالجة المشكلات. لذلك، القضايا الأساسية وصلت إلى مرحلة كارثية. إلى حد ما، نجد أن الاقتصاد وصل إلى مرحلة خطرة جداً، والتعليم حدث فيه انهيار كامل، على الرغم من التوسع الحاصل، هذا إلى جانب الخدمة المدنية والقطاع الصحي”.
وصل حسن مكي، وهو أيضاً من الشخصيات القيادية في الحركة الإسلامية في السودان، إلى هذه النتيجة مبكراً في مارس/آذار عام 2013، إذ قال، في مقابلة صحافية، نشرت في موقع الراكوبة أيضاً “فشل المشروع السياسي، فانفصال جنوب السودان فشل سياسي، انهيار الخطوط الجوية، الريف، مشروع الجزيرة، فشل اقتصادي”. يتفق الاثنان على عنوان بارز، وهو الكارثة في توصيف ما بلغه الحال في السودان. وهي الكارثة التي ظلت تحذر منها قوى المعارضة السياسية سنوات. ويتفق قطبي ومكي كذلك في الإجابة عن السؤال: هل ضلت “الإنقاذ” الطريق؟ فيقول قطبي “نعم، ضلت الطريق. وتوجد إمكانية لعودتها إلى طريقها الأول، لكن بطريقة مكلفة، وبإرادة أن يدفع ثمن الإصلاح”. وحينما سئل مكي: ألا يعني هذا فشل المشروع كاملاً؟ قال “فشل المشروع السياسي، فانفصال جنوب السودان فشل سياسي، انهيار الخطوط الجوية، الريف، مشروع الجزيرة، فشل اقتصادي، وهنالك انهيار أمني تجسد فيما يحدث بـ (أبو كرشولا)، وغيرها”. ويزيد حسن مكي، حينما جاء الحديث عن الأخطاء التي ارتكبتها الحركة الإسلامية “نعم ارتكبت أخطاء عديدة، وهي خارج وداخل الحكم، فمحاولة انقلابها كانت خطأ، ومحاولة اغتيال حسني مبارك، وما يحدث الآن من كبتٍ للحريات والحجر على الآراء، كل هذه أخطاء. وإذا كان الشعب غائباً عن المراقبة وعن المعمعة، فهذا يعني تفويضاً مطلقاً، وخطأ كبيراً، فينبغي أن تعي الحركة الإسلامية أنها ليست من جنس الملائكة، فهي بشياطينها، والمجتمع لديه ملائكته”.
لكن، ما يجمع فسيفساء الحركة الإسلامية في تمزقها توقهم إلى العودة من جديد بحركة تصحيحية، أو حوار وطني كما يجري الآن في الخرطوم، على أن هذا التوق تعترضه معضلات حقيقية، وهي موقف الإنقاذيين أنفسهم، المتباين تجاه الانقلاب العسكري عام 1989، وما جرّه من وبال على التنظيم والسودان بكامله. الأمر الثاني ما ارتكب من بشاعاتٍ وفظاعاتٍ خلال أكثر من ربع قرن من التجريب في الحكم أدى إلى انهياراتٍ كبرى في إدارة الدولة وأقاليمها المترامية، انفصال الجنوب والحروب المشتعلة الآن في أكثر من إقليم، من دارفور إلى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، عدا عن الانهيارات في القطاعات الزراعية والصناعية والتعليم. ثم الهوة العميقة بين المكونات المجتمعية، وإحياء روح القبلية والجهوية، بفعلٍ ممنهج من الدولة، فأعادت الناس قبائل وأعراقاً، وعروبة مقابل أفريقانية، ما جعل قضية الهوية إحدى أكثر القضايا الشائكة إثارة للجدل في الحوار الحكومي الدائر حالياً. الفساد الذي تفشى، وأصبح أمر القضاء عليه مرادفاً للقضاء على النظام نفسه، هو ظاهرة سرطانية ضاربة في أعماق الجسد السوداني. وفوق هذا كله، ثمة الثقة الشعبية التي ذهبت عن كل الأفرقاء في الحكم، ويصعب جداً تصور أنها ستعود، بغض النظر عن وحدة أطراف الحكم أو اختلافهم.
قناعتي أنه لا الحوار سيمنع وقوع الكارثة المحدقة، ولا تعنت الحكومة ومحاولتها بيع الوهم الذي لم يعد هناك من يشتريه، كما لن يكون هناك من أمل أمام شتات الحزب الحاكم من “المؤتمر الشعبي” إلى الذين آثروا الابتعاد. يبقى أمل حقيقي وحيد وعاجل ومقدم، وهو الإصغاء لصوت العقل ومنح الفرصة لمؤتمر واسع شامل، لا يستثني أحداً من القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة. من دون هذا المؤتمر، تمشي الكارثة على قدمين.