سيف الدين عبد الفتاح

السخرية سلاح الضعفاء في مواجهة استبداد الطغاة والأقوياء. منذ زمن، ظهر كتاب مترجم غاية في الأهمية، لجيمس سكوت، “المقاومة بالحيلة ..كيف يهمس المحكومون من وراء ظهر حكامهم”، يرصد الخطابات والخبرات. ومن حيل هؤلاء المقاومين السخرية التي تنال من الطاغية المستبد وتعرّيه، لا تجعله مهابا، وتعرّي فعله الدنيء وعمله الخسيس، وتفضح كذبه وتكشف سره، وتهتك ستره. يعرف الساخرون أن المستبد الطاغية يستطيل ببطشه، ويستعرض بسلطانه، ومن ثم فهم يجعلونه بسخريتهم منه أمثولةً، أو أضحوكةً، تنال من هيبته وقوته المزعومة، وتبرز خيبته وضعفه الكامن، حتى وهو يحاول أن يظهر قوة سلطانه وعنفوان طغيانه.


وفي دراسة مهمة عن السخرية السياسية، نشرت في مجلة فورين بوليسي، كتبتها منة الله الحريري، أن “في السخرية يظهر الإنسان عبقرية الترميز لديه، الرموز التي يصنعها ليجعلها تحمل الرأي الحقيقي الذي يريد أن يقوله، أو تضع يدها على مواضع ما ينبغي تصحيحه. فيلجأ في هذا “الترميز”، إلى تغليف رأيه بأقنعةٍ لغويةٍ أو كاريكاتوريةٍ أو أي شكلٍ، عبر ذكائه في استغلال المُتاح لاختراق غير المُتاح، توظيف المسموح للنفاذ إلى المناطق المحرّمة الممنوعة، والهدف من هذا دائماً إحراج السلطة التي وسّعت من مساحة الممنوع، وتحرّم مساءلتها والحديث بشأن ما يمسّها، ويبرّر قراراتها. كانت هذه السلطة متشكّلة على أساس قوة سياسيةٍ أو طبقيّةٍ أو اجتماعيةٍ أو دينية. ومن هنا، لا تتضمن السخرية فقط إتاحة المساحة الكافية للمكبوت أن يظهر ويقاوم الضغوط الخارجية، بل تتضمن أيضاً ذكاءً في الشكل الذي تظهر به”. وأوّل ما يميّز “السخرية السياسية” أنها موجّهة سياسيّاً، وثانيه أنها أكثر حريّة، وثالثة أنها أكثر أماناً، فالسخرية متخفّية، ومن الصعب محاصرتها، سواء محاصرة وسيلة تداولها أو محاسبة مضمونها. ورابع ما يميّز “السخرية السياسية” أنها تُحدث شعوراً بالوحدة بين من يتداولها. يأتي هذا الشعور نتيجة أنها أكثر أماناً. فطالما هي تسير في إطار المُتاح، هناك قابليّة أكثر لتداولها في الوسط الذي يؤمن بمضمونها، ويفهمه، في الوقت نفسه، الذي يريد أن يسلُك فيه طريقاً لا يعرّضه لخطر العقاب ومخالفة القانون. ومما لاحظه الشاعر المصري، كامل الشناوي، قديماً أن النكتة كانت “السلاح السرّي الذي استخدمه المصريون ضد الغزاة وقوى الاحتلال، كانت المخرّب الذي خرق قصور الحكّام، واقتحم حصون الطغاة، فأقلق راحتهم، وملأ قلوبهم رعبًا”.
تضع استراتيجية استخدام السخرية، من الناشطين السياسيين، الطغاة في مآزق، فإما أن ترد الحكومة على الاستفزازات، فتضع نفسها في موقفٍ مثيرٍ للسخرية أكثر من الفعل نفسه، أو أن تتجاهل السخرية ضدها، وتفتح على نفسها فيضاناً من المعارضة، مؤكدة أنها، في جميع الأحوال، ستخسر الحكومة.
وأخيراً، اعتبرت الدراسة انتشار وسائل التواصل الحديثة (فيسوك، تويتر، إلخ) من الأسباب التي مكّنت شباباً كثيرين، وقطاعات عريضة من المجتمع، من التعبير عن وجهات النظر بصورة ساخرة، وخصوصاً في ظل تراجع الدور الحزبي في المجتمع المصري، من حيث إعطاء المجال للشباب للتعبير عن وجهات نظرهم.
نال المستبدون الذين حكموا مصر ما نالهم من سهام السخرية وعوامل التعرية بالنكتة، وبلغة

“السخرية متخفيّة، ومن الصعب محاصرتها، سواء محاصرة وسيلة تداولها أو محاسبة مضمونها”

الشباب الجديدة “القلش”. وساعد على ذلك اصطناع “الهشتاج” المقولة الكثيفة المبنى الغزيرة المعنى، بعضها يغمس في السخرية ويخرج من معامل النكتة والفكاهة، إلا أن أحداً لم ينل مثل ما نال عبد الفتاح السيسي، ولم يقدم أحد من مادة للسخرية، مثلما قدّم بخطابه وأقواله وأفعاله ومواقفه، وساعد على ذلك صور تظهره بالبلاهة والمسخرة، فصار مادة يومية للسخرية من كل صوب وحدب. سلاح السخرية كاستراتيجية متكاملة كفيلة مع عوامل وأشكال وأساليب أخرى من المقاومة والاحتجاج أن يكون فيها حتف المستبد، وبعثرة هيبة الطاغية.
يتحدث الطاغية المنقلب قائلا “في مشاريع وكلام كتير مرضاش أقوله عشان أهل الشر”. هذه الكلمات كانت إحدى تصريحات السيسي “الجهنمية” في احتفاليته المزعومة، والتي أثارت سخريةً لدى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”تويتر”، لكن السؤال، هنا، أي شر ينتظر الانقلاب ورجاله، عندما يعلن عن مشاريع (إذا كانت هناك مشاريع من الأساس) التي يتبين، بعد مرور بعض الوقت، أنها لم تكن إلا مشاريع فناكيش، أم أن قائد الانقلاب يحاول أن يخفي فشله بتصريحاتٍ تثير ضحك حتى مؤيديه.
حاول المنقلب وصحبه من جنرالات العسكر أن يوجد أذرعاً إعلامية عديدة على كل الشاشات التابعة للشؤون المعنوية، والناطقة بلسان حال الانقلاب، بهدف تغييب العقول والسيطرة على الرأي العام، وتقديم محتوى أحادي الجانب، غير أن عقليةً من هذا الصنف لم تكن لتنتج سوى مزيد من الهزل الذي استقبله المصريون بوابلٍ من التهكم، ومزيد من السخرية.
يُطل على المصريين بمشاهد تتكرّر، بصورةٍ شبه يومية، إعلاميون يباهون بتلقي التوجيهات من الأجهزة الأمنية، ذلك أن إعلام العسكر يقدم يومياً أخباراً تخالف العقل والواقع والمنطق. أحياناً، يبثها هؤلاء المحسوبون على الإعلام، تصاحبها ثقة مفرطة، في محتوى اعتبره كثيرون نوعاً من السخرية بالمشاهد أو استخفاف بعقله. لذلك كان أحرص على الرد على طريقته الخاصة، بسخريةٍ أشد وأعتى. حرب خفية يمارسها الإعلام المصري، تقابلها حرب سخريةٍ أصبحت الآن سيدة الموقف، في مواجهة آلةٍ جبارةٍ، تحاول تغييب وعي الشعب المنكوب. وانتشر الحديث في وصف الدولة، وهو يريد أن ينتقد أهل الحكم فيها، فهذا يتحدث عن الدولة العبيطة وأهبلة الدولة والدولة المهزأة.
في معركة المقاومة للغادر، والمستبد أبو فلاتر، علينا أن نواجهه بموجات السخرية المتتابعة ضمن حركةٍ تهدم وثن الاستبداد، وتهدد قوامه، وتقوّض قوته، وتنال من هيبته إن بقى له شيء منها، إنها واحدة من أهم أساليب مقاومة المستبد بالحيلة الواجبة والسخرية الفاضحة. تعالوا بنا نسخر من المنقلب وانقلابه من ظلمه وطغيانه، من خطابه الأجوف الأخرق، وفعله المستخف الأحمق.