سليم عبد الله الحاج (الجزائر)

من المتفق عليه عند جميع العاقلين في هذا العالم وصف الكارثة السورية الواقعة بالمأساة، وفق معناها الإنساني، وبالأزمة العميقة في المعنى السياسي، ويشذ عن ذلك، أي عن دائرة العقلانية، القائمون على فقه الممانعة الذين، وللمفارقة، يصرَون، منذ سقوط أول ضحية في الثورة السورية على قراءة الأمور من زاوية أن ما يحدث على الساحة السورية مؤامرة كونية، تُنظَر لمظلومية نظام الأسد المقاوم والممانع والوطني والعروبي والصالح والمنفتح والتقدمي. وإلى ما ذلك من صفات أعطيت له. لهذا، يرون أنه يحق لهذا النظام ما لا يحق لغيره، من معارضيه أو حتى زملائه في منظومة الاستبداد العربية، فيتم التبرير لكل ممارسته، مهما بلغت درجتها من الوحشية والتدميرية للدولة والمجتمع، والانبطاحية للأجنبي.


يؤسس هذا المنطق المشؤوم لنوع من المركزية في التفكير، وهو شبيه جداً بالمركزية الغربية التي ترى في “الغرب” مركزاً للحضارة والرقي، وتبرّر له استعمار بقية الشعوب، ونهب ثرواتها. تسمح مركزية الممانعة لتحالف الاستبداد ومصالح الأقليات أن تجرد أغلبية الشعب من حقوقه، عبر الإبادة والحرمان والإقصاء السياسي، والغريب أن الأطروحتين تتقاطعان بشكل سافر عند إثارة فزاعة الإرهاب، حيث نجح النظام السوري في استغلال النمو المضطرد للتطرف، على امتداد سنوات الثورة الخمس، ليغازل الغرب، ويقنعه بأن أولوية الاستقرار والحفاظ على انسيابية النظام الدولي من نماذج كداعش، تتطلب التنسيق والتعاون الإجرائي مع مركزية الممانعة، أي التسليم بشرعية النظام، وغض النظر عن كل الجوانب الأخرى، فالغرب لا يفكر سوى في حماية مصالحه ونموذجه الحضاري، ولا يتعامل مع الآخرين إلا من هذا المنطلق، أي إذا أثبت طاغية دمشق بأن لديه مفاتيح التخلص النهائي من النواة التي صنعت داعش، وأي مظهر متطرف مستقبلي لانفجار الأغلبية المكبوتة، فلن يخجلوا إطلاقا من إعادة تأهيله والتعايش معه.
الحقائق والتعقيدات السورية أكبر من أن تضع بيضها في سلة مهترئة، ومن أجل ذلك، فاعتقاد الأسد وحلفائه بأنهم قادرون على امتلاك مفاتيح الأمور خاطئ، فكما بينت الأحداث فشل سيناريو الحسم لصالحهم. وعليه، فإن معادلة الحل في سورية تقتضي، وبشكل أساسي، أن يتم تغيير طريقة المعالجة، للوصول إلى حل مبني على الرؤية العقلانية للوضع، أي توليفة متكاملة تراعي الأسباب الحقيقية للكارثة بتجلياتها الإنسانية كمأساة، والسياسية كأزمة عميقة في بنية النظام الاجتماعي والسياسي السوري، كما يجب التوقف عن منح الفرص المتتابعة لنموذج مركزية الممانعة، حتى يفرض حلا على مقاسه على هامش الدعوة إلى التكتل الدولي لمحاربة التطرف، بمشاركة نظام الأسد، وإهمال المسببات خلف الظاهرة.
إطالة عمر النظام السوري بشكله القائم لن يؤدي إلا لتعميق المأساة الانسانية، ولن يبعد الأخطار التي يخشاها الغرب، وتدفعه إلى المماطلة، معتمدا مبدأ الحفاظ على سورية المفيدة أساساً للحل المتفق عليه داخل أركان النظام الدولي، فلم تنتج المحاولات المتعددة منذ جنيف1 سوى تضاعف عدد الضحايا، وزيادة حجم الاحتقان الذي تطور من ثورة سلمية إلى حالة مسلحة وطنية، إلى مزيج فوضوي، إحدى مكوناته الفصائل الجهادية المتطرفة، والقادم أسوأ إذا لم تتجسد معادلة الحل المطلوبة.