في ظل تزايد أعداد كبار السن في المجتمع حتى وصل عدد الذين تجاوزوا 65 عامًا في الوطن العربي وحده 12 مليونًا، أصبحت قضية الزواج بعد الفقد تشغل حيزًا أكبر في حياة الناس واهتماماتهم. فما هو الزواج بعد الفقد؟ وهل هناك اختلاف بين الرجل والمرأة في الرغبة بالزواج بعد الفقد؟ وما تأثيره على الفرد والمجتمع؟ وهل هو حق للفاقد أم خيانة للمفقود؟

ببساطة “الزواج بعد الفقد” هو ارتباط أحد الزوجين بشريك آخر بعد موت الشريك الأول، ففي دراسة أمريكية قام بها Deborah Carr وآخرون تبين أنه وبعد سنة ونصف من الفقد 37% من الرجال الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة يرغبون بالزواج مقابل 15% من النساء من الفئة العمرية نفسها يرغبن بالزواج بعد الفقد، إن هذه الفروقات قد تكون ناشئة عن فوائد واعتبارات مختلفة بين الرجل والمرأة في الزواج بعد الفقد.

أما تأثير الزواج بعد الفقد، فقد أظهرت الدراسات نتائج إيجابية في الغالب لهذا النوع من الزواج على الفرد والمجتمع، حيث أظهرت دراسة طولية قام بها Burks وآخرون على الذين تجاوزت أعمارهم 50 سنة نتائج إيجابية أكبر في التغلب على الاكتئاب والأسى، والتأقلم مع الضغوطات، والرضا عن الحياة، ومؤشرات صحية أفضل؛ مقارنة مع الذين آثروا عدم الزواج.

أما تأثيره على المجتمع فظاهر من خلال تقليل نسب العنوسة والعلاقات غير الشرعية، وطلبات المعونة، وانخفاض نسب إيواء المسنين في دور العجزة. وبالمجمل فإن النساء اللواتي يتزوجن بعد الفقد يحظين بحياة مادية ومستوى معيشي أفضل من اللواتي آثرن عدم الزواج.

لا أدري من أين نشأ القول أن “الزواج بعد الفقد خيانة”، ولا أدري أيضًا من قال أن القلب لا يتسع إلا لحب شخص واحد فقط وأن من أراد أن يحب شخصًا جديدًا عليه إخراج الحبيب الأول من قلبه والتنكر لماضيه وذكرياته!

وحين العودة إلى تاريخنا، نجده مليئًا بأمثلة الزواج بعد الفقد، فقد تزوج رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد فقده خديجة رضي الله عنها ولم يمنعه زواجه من تسع نساء بعدها من تذكرها، حيث ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يبعثها في صدائق خديجة – أي: في صويحبات خديجة – وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول صلى الله عليه وسلم: إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد، ويظل النبي عليه الصلاة والسلام يعدد مناقب خديجة رضي الله عنها).

وتزوج علي كرم الله وجهه بعد فقده فاطمة رضي الله عنها بفترة قصيرة، وتزوج عثمان رضي الله عنه بأم كلثوم بعد وفاة أختها رقية رضي الله عنهما. ولما توفي أبو سلمة رضي الله عنه أرسلت أم سلمة تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر وفاة زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر والدعاء بأن يعوضها خيرًا منه ففعلت رضي الله عنها ذلك، لكنها قالت في نفسها ومَن أفضل من أبي سلمة وهو من خيرة رجال المدينة؟ فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة.

فالزواج بعد الفقد لا يمنع ولا يتعارض مع الوفاء للمتوفى، وهو في نهاية المطاف اختيار الفاقد ويخضع لتقديراته، وليس للمجتمع حق في إبطاله أو تشويه سمعته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست