كنت منذ أربع سنوات أسمع عن التدوين، وأعترف أنني سمعت عنه متأخرًا، كنت أسمع أن فلانـًا مدون، وأن فلانة لديها مدونة، وأن فلانـًا أصبح كاتبًا ويكتب في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وفلان وفلانة وكثير ممن أعرفهم أو سمعت عنهم ممن بدأوا هذه الخطوة وارتقوا بها، حتى أصبح للتدوين والمدونين عالمهم الخاص بهم يطوّرونه ويسعون إلى انتشاره.

كان الاطلاع منِّي لحال هذا المجال يثير فضولي، ويجعلني أسأل نفسي دائمًا وباستمرار، ما الذي يجعلهم يحبون الكتابة بهذا الشكل؟ وكيف أن بعضهم أصبح يتقن الكتابة بأسلوب جميل وجذاب؟ وكيف يمكن لشباب في سنّي أن يكتبوا في مواقع مشهورة لصحافة الشباب كالجزيرة توك في ذلك الوقت، أو المواقع الأخرى التي تهتم بمقالات الشباب؟ كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي، وصاحب ذلك أيضًا البحث عن أهم الأمور التي يجب أن يتمتع بها الشاب كي يصبح مدوّنـًا؟

لا أخفيكم، اليوم وبعد أربع سنوات من التدوين في مدونتي الشخصية، وسنتين من كتابة المقالات في بعض المواقع الإلكترونية التي تهتم بصحافة الشباب ونشر المقالات كالموقع الذي أكتب فيه الآن هذا المقال، لا يهمني كثيرًا التركيز على صفات المدوّن الشخصية أو المهاريّة (على أهمية ذلك بالتأكيد)، ولكن ما يهمني فعلاً هو ماذا يستفيد المدوّن أو الكاتب من الكتابة بشكل شبه متصّل وفي مواضيع تلقى اهتمامه، بل يواصل الاستمرار في الكتابة وينوّع في نوعية المقالات والكلمات المستخدمة والمواقع التي ينشر خلالها، إن أهم ما يمكن الاستفادة منه جرّاء التدوين وهو ما استخلصته بعد أربع سنوات في هذا المجال يمكن أن ألخِّصه بالتالي:

حب القراءة

لا أعني هنا حب القراءة الذي يكون قبل الخوض في مجال التدوين، ولكن ما أقصده هو كيف يجعلك التدوين تحب القراءة أكثر، بل يجعل عندك الشغف على القراءة اليومية في مجالات مختلفة وفي الموضوعات التي تلقى اهتمامك.

إن التدوين الجيد لا يكون إلا بعد القراءة الجيّدة، ونادرًا جدًا أن تجد مدوّنًا مقنِعًا لغيره وهو لا يقرأ، أو أن قراءته ضعيفة، صحيح أنك قد تجد قارئًا نهمًا لا يجيد الكتابة، أو لا يحب الكتابة، ولكنك بالتأكيد لن تجد كاتبًا مبدعًا أو مدوّنًا نشيطـًا لا يقرأ كثيرًا وليس شغوفـًا بالقراءة.

القراءة أكسجين الكتابة، وحِبر القلم، وكلما كان الحِبر جيدًا، كان القلم جيدًا، والفِكر كذلك، والنتيجة الحتمية مقال متزن رصين أو تدوينة هادفة، إنني هنا لا أدعو إلى القراءة الكميّة، أي أن يكون الهدف من القراءة هو التباهي بعدد الكتب المقروءة خلال العام، فليس هذا هو الهدف، وإنما الهدف هو القراءة الكيفيّة التي يبقى أثرها، أي القراءة التي تزيد من رصيد القارئ فكريًّا ولغويًّا، وتجعله قادرًا على التحليل والاستنباط، ومن ثم طرح رأيه، فيكون بذلك نقل ما قرأه وأضاف رأيه عليه في صيغة مقال يستفيد منه من يقرأه بعده.

تحسين جودة الكتابة                  

نسمع من يقول “جرّب كتير، بتتعلم كتير”، وهذا أراه صحيحًا، فمقالك الأول لن يكون كمقالك الثاني، والثاني لن يكون كالثالث وهكذا، إن عملية الكتابة عملية تراكمية، يستفيد منها الكاتب في كل مرّة يكتب فيها، فيطوّر ويحسن من أسلوبه، ويجتهد في أن تكون لعباراته أثر وقوّة، ومع الممارسة سيصبح عند الكاتب القدرة على بناء المقال بشكل صحيح، فيبدأ من المقدمة وينوّع فيها ويجعلها شيّقة، ثم يبدأ بالموضوع الذي يريده، وينتهي بالخاتمة ولا ينسى أن يضيف رأيه في المقال، فالقارئ كما أنه يعنيه أن يعرف عن الموضوع الذي يقرأه، يعنيه أيضًا أن يعرف رأي كاتب المقال، وربما هذه الجزئية هي ما تميّز كاتبًا عن غيره، وهي التي تبيّن مدى عمق أفكار الكاتب عن غيره.

لقد أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي أمام الشباب فرصة الكتابة والتعبير عن آرائهم، وفرصة تحسين كتاباتهم ومشاركة ذلك مع أصدقائهم، لذلك فإن أهم ما يمكن أن يستفيده أي كاتب من كل مقال يكتبه هو أن يتعلم منه ويحسّن فيما بعده فيكون أكثر إقناعًا وأكثر عمقـًا.

الجرأة في طرح الأفكار والتعبير عن الذات

إنني لأجد أن التدوين من أهم الوسائل التي تجعل الإنسان يثق بذاته وقدراته، فهو يعد مزيجًا من مدى فهم الإنسان لما يقرأه، ومدى قدرته على استخدام لغة صحيحة في التعبير عما يريده. وليس ذلك فقط، بل إن التدوين يتيح للكاتب أن يعرف رأي الآخرين فيما يكتب، ويفتح أبواب النقاش فيما بينهم، وبالتالي تزداد القدرة والجرأة على التعبير، وتزداد الثقة بالنفس على مواصلة الكتابة فيما يراه الشخص مهمًا.

إن التحدي على أي كاتب هو أن يأتي في كل مرّة بجديد، هذا يعني أن الجرأة لن تكون فقط في طرح الأفكار والثقة بالذات، بل سيتعدى ذلك إلى أن تكون الكتابة تحديًّا ذاتيًا للكاتب نفسه في انتقاء أفضل العبارات والتراكيب اللغوية، وفي الموضوع الذي سيتناوله، وفي طرح رأيه في هذا الموضوع، وفي قدرته على إقناع قارئه، وأعتقد أنه هنا تكمن المتعة في الكتابة.

إن أمر الكتابة يبدأ بالتدوين، فيزيد شغف المدوّن لأن يكون كاتبًا، فيجتهد على نفسه حتى ينشر أول مقال له في صحيفة أو موقع إلكتروني مشهور، ثم يزداد شغفه لأن يكتب باستمرار، أو أن يحظى بفرصة كتابة مقال عمود في أحد الصحف اليومية أو الأسبوعية، ثم يزداد شغفه لأن يخوض تجربة مسابقات التدوين، ثم يزداد شغفه لأن يؤلف كتابًا، ثم يزداد شغفه لأن يخوض تجربة الندوات والمؤتمرات، وهكذا في كل مرة يزداد الشغف إلى الخطوة التي تليها، وكل ذلك مرده إلى مدى الثقة والجرأة في طرح الأفكار التي اكتسبها في بدايات كتاباته، ومدى ثقته بنفسه وقدرته على إقناع قارئه.

الجرأة في النشر على مواقع التدوين المختلفة

لن تجد كاتبًا على الأغلب في مواقع التدوين المختلفة والمشهورة إلا وكان قد نشر سابقـًا على مدونته أو حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاقى استحسانًا من قرائه، فقرر أن يحسّن كتاباته ليتجرأ على النشر في مواقع التدوين المختلفة، فيزيد عدد متابعيه ويصل بأفكاره إلى عدد أكبر، إن هذه هي ميّزة الجرأة التي يكتسبها المدوّن، فهو مع أول مقال ينشره على أحد المواقع المشهورة، سيجد نفسه في دافعية أكبر للمزيد، ولن يعتريه الخوف من سياسة تحرير الموقع، فطالما أن الموضوع مهم، والكلمات معبّرة، وفي المقال فكرة يود الكاتب إيصالها، فالنتيجة هي نشر ما يكتبه الكاتب، وهو ما يعني زيادة الجرأة على مواصلة النشر.

لكن يبقى القول في هذا الجانب، إن مواقع النشر ليست كلها واحدة، فلكل موقع سياسته في النشر، وتركيزه على المواضيع التي يختص بها، وبالتالي فعلى المدوّن أن يعلم لمن يكتب، وأين ينشر، كي تصل أفكاره الى أكبر عدد ممكن مهتم فيما يكتبه.

 

الاستمتاع في القراءة للآخرين، بل مساعدتهم

بعد فترة من الكتابة، سيجد المدوّن نفسه في تصالح مع ذاته، ولن يجد حرجًا في أن يقرأ لغيره، ويناقش غيره، فالتدوين يعلّم الشخص أن نقاش الكلمة يكون بالكلمة والحجّة، وما دام المدوّن يريد أن يطوّر من مهاراته ويبقى على اطلاع على مجريات الأحداث في مجال اهتمامه، فعليه أن يقرأ لغيره من المدونين، ويناقشهم ويهتم لآرائهم، إن رأس مال المدوّن كلماته وقرّاؤه، فإن هو لم يطلع على كلماتهم، أو كتاباتهم، ولم يرَ ما يقولوه غيره في نفس اهتمامه، فسيخسر من رأس ماله كثيرًا.

ومع مرور الوقت، سيكتسب المدوّن ثقة قرائه، وسيكون هو مصدرًا لأن يشجع غيره من المبتدئين في هذا المجال، فسيجد من يرسل له مقالاً لكي يقيمه له، أو سيجد من يطلب معونته في أمر معيّن، وهنا وبعد سنوات من التدوين، على كل مدوّن أن يسأل نفسه: هل أتخلّى عمن وثق بكلماتي، وأتكبّر على إجابة استفسار من يريد مساعدتي؟ بعد أن كنت يومًا في مكانه مبتدئًا؟! هنا يظهر التمايز بين شخص وآخر.

إن الاستفادة بعد أربع سنوات من بدايتي للتدوين قد تكون أكثر من ذلك، لكني أردت أن أوجز أهم الاستفادات من وجهة نظري والتي أراها مهمة للتركيز عليها لمواصلة هذا الطريق، وقد يكون من المفيد أيضًا القول بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد سهلّت كثيرًا من التدوين، ومن الحصول على آراء القرّاء، ومن نشر المقالات والتجارب، وعليه عزيزي القارئ، إن كنت تنظر لأحد كتّابك المفضلين بعين الإعجاب لأسلوبه وعمق أفكاره، فها أنت قد عرفت كيف تبدأ، أنشئ مدونتك، واكتب آرائك وأفكارك، واقرأ بعمق، وحسّن من أسلوب كتابتك، وثق بنفسك كثيرًا، وليكن شعارك “فإذا عزمت فتوكل على الله”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست