لاحظنا مؤخرًا أن الناس أصبحوا يستحيون من تناول بعض المسائل في الدين كالجهاد والجزية … إلخ.
وهنا نتذكر قول الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله لأنساهم أنفسهم}. فنحن المسلمين أصحاب رسالة في الدنيا، ابتعث الله أمة محمد ليخرج الناس من الظلمات إلي النور ويخرجهم من عبادة الملوك إلى عبادة رب الملوك والأرباب، فلم يكن الجهاد إلا رحمة للعالمين، ولولاه ما رأينا الإسلام خفاقًا في كل ربوع الأرض كما نراه الآن، وما تركت أمةً الجهاد إلا ذلّت من بعده.

والجهاد الذي يدعيه البعض في عصرنا يختلف بالكلية عن جهاد السلف والأصحاب.
فالجهاد نوعان: جهاد الدفع وجهاد الطلب، جهاد الدفع وُجد للدفاع عن الأمة من كل باغٍ ومعتد، أما جهاد الطلب فإنه وُجد لنشر الإسلام في ربوع الأرض، وهي جوهر رسالة المسلمين، ولم يكن لحاكم أن يرضى بنشر الإسلام في بلاده؛ لأنه تحرر من عبادته ونقل السلطة من يده إلى سلطة الله وشرعه، فكان لابد من جهاده.

وربما يخيّل إلينا الآن أن البلاد الديمقراطية في الغرب تترك كل شخص يمارس عقيدته بحرية، لكن والله هذا ليس بصحيح، فهم يتركونك لأنك لم تصل بعد للقوة المغيّرة في هذة البلاد، وعلى سبيل المثال؛ فرنسا منذ سنوات قلائل كانت قد منعت الحجاب بالمدارس والجامعات بمجرد أن رأت أنها ثقافة مغايرة لثقافتهم وفكر مختلف ينتشر بين الأطفال ويزرع بذوره، ولم تصبر أمريكا ساعات على ضرب السودان عندما أعلنت قيام ولايات إسلامية صغيرة بها، والسودان بلد فقير وضعيف ولن يؤثر في شيء، لكنه فكر وعقيدة وساذج من يظن أن الغرب الذي يمنع قيام دول إسلامية خارج حدوده سيسمح بذلك في الداخل تحت مسمي الحرية الدينية.. فدائمًا ما يكشر الغرب عن أنيابه كلما وصل المسلمون في هذه البلاد لحد القوة المغيّرة في أي مجال في هذه البلاد، ولو حتى بالقدر القليل، وربما يتركونك تدعو الناس في نطاق ضيق، ولكن مع كل دعوة ناجحه ستجد آلاف الصور المشوهه للإسلام.

الجهاد كان حياةً للأمم المقهورة، فأنت تجاهد وتخاطر بحياتك لتنقذهم من الهلاك وعبادة غير الله والتردي إلى هاوية جهنم، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فلربما سمعوا لك حينها.

والجهاد لم يكن احتلالا أو اجتياحًا للبلاد كما يصوّره المستشرقين الآن، فالمحتل عندما يدخل بلدًا آخر فإنه يقوم بالتدمير والخراب والسرقة والنهب، لكنه لم يكن يُعلّم الناس الدين ويطلعهم على ربهم، ثم يتركهم بعد ذلك أحرار في اختيار عقائدهم.

وتشبيه الجهاد بأنه صورة من صور الاحتلال ما هو إلا تشبيه جائر يُراد من وراءه تشويه التاريخ الإسلامي وفتوحاته الخالدة، ففرنسا احتلت الجزائر ١٥٠ عام، ولم تستطع خلالهم أن تهتز عقيدة الإسلام فيها، بل أحدثت إحياء إسلاميا كبيرا، وثورة إسلامية فيها، لكن المسلمين فتحوا بالجهاد؛ الجزائر والمغرب العربي والشمال الأفريقي بأكمله في ٣ سنوات واستطاعوا خلالهم أن يغيّروا من عقيدة أهلها بالكامل ودخلوا للإسلام راغبين، بل إنهم بعد ٣ سنوات كانوا المجاهدين الذين فتحوا بلاد الأندلس، واستمر الإسلام فيها حتى الآن، ولم تستمر دعوة فرنسا المحتلة.

أما الجزية، فلم تكن إلا ضريبة تؤخذ للدفاع عن أهل الكتاب وترد إليهم إن لم يستطع المسلمون حمايتهم، كانت ضريبة تؤخذ من الرجال فقط، كانت تؤخذ من الكبار فقط، ولا تؤخذ إلا من الأغنياء القادرين على القتال، بل إن الفقير من أهل الكتاب كان يأخذ من بيت مال المسلمين. والجزية كانت تقابل الزكاه التي كان يدفعها المسلمون حينئذ، بل أقل بكثير، فزكاة المسلمين كانت ٢,٥٪ من الدخل السنوي للفرد بينما يؤخذ دينار واحد للجزية من أهل الكتاب سنويًا، والجزية أقل بكثير من الضرائب المعروفه، بل هي أقل ضريبة في العالم.

لا يجب على المسلمين أن يجدوا أي حرج أو خوف في تناول مسائل الدين الراسخة، والتاريخ الإسلامي يحوي الكثير من النور، والخير للبشرية حتى لو استطاعوا تشويه جزء كبير منه، ورغم أنهم يلومون على المسلمين نشر الدين وتنوير العقول، لا نسمع لائما واحدا من المستشرقين يلوم فرنسا على ملايين من القتلى في الجزائر أو بريطانيا في الهند وأمريكا في العراق، والتاريخ يروي مآسيهم في كل شبر من الأرض لما فعلوا ومازالوا يفعلون في بلاد العالم حتى يومنا هذا.

لكن صدقًا، هذا الدين الإسلامي ليس كغيره من الأديان، لا يوجد به أي عوار، فهو دين كامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست