ــ1ــ
إذا قدرنا أن الذات الإلهية ــ ولله المثل الأعلى ــ هى مركز الدائرة، فإن الإنسان هو المحور الرئيسى بين كل ما خلق الله من كائنات غيبية أو مشهودة، ويكفينا فى ذلك قول الله جل جلاله ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا))، كما يؤكد قولنا هذا قول الله تعالى مخاطبا ملائكته ((إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَة)). فإذا أضفت إلى ذلك تأكيد القرآن فى أكثر من مرة أن الكائنات كلها مسخرة للإنسان ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعا..))، فكل ذلك يؤكد محورية الإنسان فى الحياة الدنيا ويؤكد تفضيل الله للإنسان على المخلوقات. ومن هنا فإن الإسلام يضع الإنسان ــ مطلق الإنسان ــ فى أرفع مكان بين المخلوقات، فالإنسان فوق الملائكة وأعلى عند الله من السماء، وما خلقت السماوات والأرض وخزائنها إلا خدمة للإنسان ولمصلحته.


ــ2ــ
وأول ما يعتنى به الإسلام فى شأن الإنسان: حياة الإنسان، وحقه فى الحياة الآمنة، يأمن على جسده من الجرح أو القتل أو أى إصابة تعوق أو تسبب له ضررا حتى أصغر عضو فى أعضاء الجسد البشرى ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَينَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)). كما أن الإنسان – مهما كانت عقيدته أو لونه أو موطنه – روحه وحياته محفوظة مصانة يحرم الشرع العدوان عليها بدليل ما أوضحه القرآن ((..أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا)). فحياة الإنسان محفوظة بأجلها الإلهى الذى قدره لها، فالحياة هبة من «الحى القيوم» سبحانه وتعالى، ولا يجوز لعاقل أن يتعرض لحياة آدمى إلا بحكم قضائى شرعى من قاضٍ ومختص «سلطة وزمانا ومكانا»، ((هُوَ الَّذِى يُحْيِى وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)).


ــ3ــ
وقد ورد قول مرسل لا يستند إلى آية قرآنية كما لا يستند إلى حديث نبوى متواتر يزعم «لا يقتل مسلم بكافر»، ونحن نجل الرسول صلى الله عليه وسلم إجلالا يجعلنا نقرر استحالة خروج هذا القول من فمه وعدم نطقه بذلك، حيث أنه صلى الله عليه وسلم أول من يلتزم بالقرآن: ((.. أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..))، هكذا مطلقا من أى قيد سوى أن تكون النفس قد ارتكبت كبيرة قتل نفس أو كبيرة الإفساد فى الأرض. كذلك فقد تناقلت كتب الفقه حكم «قتل المرتد» جزاء ردته عن الإسلام، ويؤيدون ذلك ببعض حروب أبى بكر رضى الله عنه، وهذا تأول بعيد المدى، فالمعروف ما جاء فى التاريخ بعنوان «حروب الردة» لم تكن بسبب مجرد الارتداد عن الإسلام، بل كانت بسبب ما مارسه هؤلاء من إفساد فى الأرض فجاءت الحروب والأمر بقتالهم وقتلهم جزاء إفسادهم طبقا لنص «حد الحرابة» ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأرض))، ولا زالت الأمة فى مسيس الحاجة إلى «مجمع فقهى عام» يراجع تلك الأقوال المرسلة والمنسوبة كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصا على بقاء الإسلام صافيا شفافا كما أنزله الله، وكما يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم.


ــ4ــ
ولا ننسى أن القرآن الكريم كله هو الرسالة الأخيرة التى أنزلها الله لجميع البشر، فالقرآن الكريم ليس كتاب أمة دون سائر الأمم ولا عرق دون سائر الأعراق ولا لون ولا جنس بل كتاب البشرية كلها وكتاب الكون كله والزمان كله، وواجب المسلمين الأكبر هو «التفنن والإبداع» فى كيفية استثمار كل الوسائل التى تيسر حمل القرآن إلى جميع الناس مع ترجمة معانيه وتخليص تفسيره مما تطفل عليه من أقوال تضاد القرآن الكريم ومقاصده، والأقوال التى تحرف البيان النبوى وتنسب إليه ما ليس فيه ((..يَا لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ..)).