عندما استيقظت مصر على انقلاب عسكري، توهم كثيرون في بدايته أنه جاء لتخلصيهم من حكم “الأشرار”، كما وصفهم بذلك قائد الإنقلاب نفسه، لم يكن يجول بخاطر أحد ماستؤول إليه الأوضاع بمصر، بالطبع الكل تذكر مقولة الرائع “حازم صلاح أبو إسماعيل” عندنا قال سنصبح أضحوكة العالم، وكأنها نبوءة، لكنها أصبحت واقعا مريرا.

بالطبع لن أتحدث عن جرائم هذا الانقلاب وصانعيه، الجرائم التي بدأت قبل 30 يونيو؛ بداية من الاعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير إبان ثورة يناير، مروراً بأحداث محمد محمود الأولى، والثانية، ومجزرة ماسبيرو، وأحداث الاتحادية، انتهاء بأحداث الحرس الجمهوري والمنصة وفض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة، والجرائم مازالت مستمرة حتى هذه اللحظة.

أيضاً لن أتحدث عن ألوف من المعتقلين دون وجه حق، ومئات من المختفين قسراُ، وعشرات من حوادث التصفية الجسدية والقتل خارج إطار القانون، كل هذه الجرائم يعلمها كثيرون، وحدث مثلها في بعض البلدان، ولدى أنظمة الحكم الديكتاتورية.

يجدر القول إن مصر تميزت وبحق في التضليل المتناهي، سواء تضليل من الجهات الرسمية، أو التضليل الذي يمارسه الإعلام بشكل عام، فقد ضرب الإعلام المصري، سواء الحكومي أو الخاص، بكل الأعراف الدولية، والمعايير المهنية عرض الحائط، وكان أكبر داعم لعملية الخداع التي تمارس بحق شعب بأكمله، المثير للشفقة أيضاً أن الدولة وأذرعها الإعلامية، لم تستطع أن تكذب وتضلل بشكل مقبول، بل خرج خداعهم بشكل مثير للسخرية، جعل مصر وبحق دون منازع أضحوكة العالم، ومن هذه المآسي التي مني بها وطننا الحبيب وهي على سبيل المثال لا الحصر:-

مهازل المجلس لاتنتهي

لم تمر أيام على انعقاد مجلس الشعب، إلا ورأى الجميع المهازل التي تتم بداخلة، مما دفعهم لإلغاء بث الجلسات على التلفزيون، لكن هذا لم يوقف نشر المهازل.

بداية إن هذا المجلس فاقد للشرعية من قبل انعقادة، الجميع رأى عزوف الناخبين عن المشاركة في هذا الانتخابات  لقلة الثقة بين المواطن والدولة في الحفاظ على صوته الإنتخابي، واضطرت الدولة أن تعلن أن نسبة المشاركة وصلت 29%، رغم أن النسبة الحقيقة لم تتجاوز 3%، وقد رأى العالم أجمع العزوف عن المشاركة والتصويت، خصوصاً من الشباب.

لكن المهازل التي ظهرت من أول يوم ومع جلسة البرلمان الإفتتاحية، بداية من التشاجر بين النواب، إلى التقاط الصور “السيلفي” بين النواب والنائبات، والموافقة على القوانين بالجملة، انتهاء بالتصويت بالوكالة، لحد وصل إلى التصويت بأكثر من عدد الحاضرين.

الأمر الذي جعل الشباب يطالب بإعادة بث الجلسات حتى لاتنتهي وصلات الضحك، فإن لم يكن للشعب المسكين من هذا المجلس فائدة، فإدخال السرور والبهجة عليه عندما يشاهد جلسات هذا المجلس لعلها تخرجه من حابة الاكتئاب التي يحياها باستمرار.

رياح مصر شمالية غربية

أبسط تعليق على تصريح محافظ السويس اللواء أحمد الهياتمي هو المقولة الشهيرة: “أمنعوا الضحك”! والأفضل أن نقول: امنعوا الضحك، وابدأو في البكاء، حيث تدوول مقطع فيديو للمحافظ يؤكد فيه أن موقع مصر الاستراتيجي يعتبر من أفضل المواقع في العالم ويحميها من خطر العدو الإسرائيلي، فلو أطلقت إسرائيل صاروخًا باتجاه مصر سيرتد إليها مرة أخرى بفعل الرياح الشمالية الغربية.
فسيادة اللواء والذي كان يشغل منصب مدير لكلية الضباط الاحتياط، ومن قبلها كان قائدا للفرقة 16، أي أنه عسكري وأكاديمي، يرى أنه إذا تم إطلاق صواريخ على مصر من جهة إسرائيل فإنها ستعود إليهم؛ لأن مصر ـ وحسبما قال ـ ريحاها شمالية غربية، على غرار أفلام الخيال العلمي وأفلام الأكشن سيكون حال مصر إذا أقدمت على حرب مع إسرائيل، ولكن السؤال لسيادة اللواء: هل هذه النظرية تجعل منظومة الدفاع الجوي لا قيمة لها؟ أما أننا سنتحرك على الحدود تحمينا الرياح؟

قد يستغرب البعض من هذه التصاريح، لكن بالمقارنة بباقي تصريحات المسئولين لاتتعجب، إنك في مصر التي يحكمها العسكر.

ميكرفون الجزيرة وسد النهضة

“أسد عليا وفي الحروب نعامة” هذه مقولة انطبقت على وزير الخارجية المصري في مفاوضات سد النهضة الأثيوبي، حيث إنه لم ير حلاً للأزمة سوى الإطاحة  بميكرفون الجزيرة مراراً وتكراراً، هذا هو الحل الوحيد الذي وجده الوزير الهُمام، وكأن الوزير وحكومته لم يدركو الخطر الداهم الذي سيضع مصر تحت خط الفقر المائي، وكأنهم لايدركون الكوارث التي ستحدث لمصر من جراء بناء هذا السد.

هذا قد يكون معقولا في ظل نظام انقلابي، يسعى لأن يسوق لنفسه ويجلب شرعية، حتى ولو على حساب حياة شعبه، لكن من غير المقبول هو التخاريف التي تبعت بناء السد، فتارة يخرج من يصفونه بالخبير الاستراتيجي قائلاً: السد هيقع لوحده، وإمعاناً في السخرية من عقول المصريين يخرج وزير الزراعة ويعلن عن مصدر للمياه يكفي 100 عام.

كمية الفشل والفساد لم تسعها أية أكاذيب لكي يتم خداع البسطاء بها، لكن الأزمة الحقيقة ستظهر قريباً عندما يفيق الشعب على حرب من أجل قطرة مياه، وهنا لن ينفع البكاء، بل سنضحك على بلاهتنا.

حل مشكلة البطالة بعربات الخضار

تفاجئنا جميعاً مطلع العام الماضي أن عبدالفتاح السيسي وجد حلا لمشكلة البطالة عند الشباب،عن طريق إطلاق مشروع “عربات الخضار” الأمر الذي سبب سخرية الجميع، أن يكون حديث مسئول كبير في الدولة ـ أو كما يفترض ذلك ـ بهذا التدنى والسطحية، لكن الأكثر سخرية أن المشروع لم ينفذ حتى الآن.

علاج المرضى بالكفتة

كم السخرية تجده في تصريح لوزير الصحة المصري الدكتور السيد عبد الخالق، أن في يناير 2015، حينما صرح أن “مصر تمتلك مستشفيات أفضل من تلك الموجودة في بريطانيا من حيث المباني والتجهيزات” بالطبع هذه ليست كذبة بقدر ماهي دعابة لطيفة من مسئول حكومي، فالمصريون معروفون بخفة الظل، والوزير ماهو إلا شخص من الشعب.

الحقيقة معروفة فلا يوجد مصري أو غير مصري لا يعرف حال المستشفيات الحكومية، إلا إذا كان سيادة الوزير يتحدث عن المستشفيات الخاصة، والتي يدفع المرضى فيها مئات الآلاف، وأيضاً لن تكون أحسن حال من مستشفيات بريطانيا.

لكن السخرية الأكثر عندما أعلنت القوات المسلحة قبلها بعام عن توصلها لاختراع لعلاج مرضى الإيذر عن طريق”جهاز الكفته”، أو كما يسمونه إعلامياً، وظهر في الإعلام شخص يرتدي الزي العسكري، ويقال له اللواء إبراهيم عبد العاطى، مروجاً لهذا الجهاز وأنه من اختراعه، وأنه سيتم تنفيذة في غضون ستة أشهر، إلى آخر ذلك مما قيل حينها.

بداية إبراهيم عبدالعاطي، مشكوك في أنه ضمن المؤسسة العسكرية، فهو شخص عادي كان يظهر في الفضائيات منذ أعوام كمعالج بالأعشاب، علاوة على ذلك فالجهاز أعلن عنه منذ عامين، ولم يخرج للنور حتى الآن رغم أن المدة الزمنية المعلن عنها كانت ستة أشهر، فضلاً عن أن نقابة الأطباء أحالت للتحقيق 9  أعضاء جدد، من المروجين للجهاز الشهير بـ «جهاز الكفتة»، إلى لجنة آداب المهنة وملاحقة اثنين من غير الأطباء بتهمة انتحال صفة طبيب، منهم إبراهيم عبد العاطى.

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، فعندما يحكم العسكر دولة لها تاريخ سيكون حتماً هذا هو الحال، أصبحنا أضحوكة العالم، بل أصبحنا نسخر من أنفسنا، نضحك من مر واقعنا، ضحك كالبكاء، هذا لأننا لا نملك غيره، لكن وماذا بعد هذا الضحك المقزز، هل سننتظر مزيداً من الكوارث كي نفيق؟ أما أننا ننتظر مزيداً من السخرية التي تنظر إلينا بها كل دول العالم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست