“الاستبداد وحده هو الذي يقيم الحضارة، فهل يمكن لخطة مجزأة، عدد أجزائها بعدد العقول التي صنعتها أن تقيم حضارة؟ بالطبع محال؛ فالغالب أنها ستكون حضارة هشه ضائعة القيمة، فالجمهور بطبعه بربري، وفور أن تعطيهم شيئاً من الحرية فهم يمسخونها إلى فوضى، فالقوى يحكم دائماً والضعيف يخضع دائما” ـ “إحدى المحافل الصهيونية”.

هل حقاً الديمقراطيه هى السبيل الأوحد لنهضة الشعوب وتقدمها؟ وهل حقاً الاستبداد دائما يتسبب في انهيار المجتمعات؟ أرجوك لا تتسرع في الإجابة؛ لأن هناك من الشواهد ما يجعلنا نعيد النظر في المفاهيم العالمية التى صدرها لنا الغرب، واتخذناها بلا تعقل مبادئ مقدسة، ومنها: “الديمقراطية”. واستمر سعينا الدءوب لتحقيق تلك المفاهيم لنحقق الحلم المنتظر بالتطور والنهوض.

قطعا ليست الديمقراطية دائماً هى سبيل التقدم والنهوض؛ فقد قامت دكتاتوريات عديدة على مبادئ الديمقراطية، بل كانت ويلات على شعوبها، وعلى البشرية جمعاء، كما حدث في عهود النازية والفاشية ولذلك فإن التقدم والنهوض ليس في نظام الحكم المتبع، ولكن في التوافق بين طبائع الشعوب وحكامهم. ولذلك يمكن القول: إن خيارات الشعوب ليست دائما الأصلح لمجتمعاتهم فكما سنُفصل لاحقاً سنجد كثيراً من المجتمعات قد أقامت حضاراتها على مبادئ الاستبداد، وكثير من المجتمعات انهارت بسبب مبادئ الديمقراطية.

وبقليل من التحليل للأنظمه الأكثر ديمقراطية في العالم سنجد أن الكثير منها في جوهره مستبد، بل دكتاتوري بشكل كبير، ولكن بغطاء من الديمقراطية الزائفة، وما يحدث حقاً أن الأنظمه في تلك الدول تترك للعامة حرية الاختيار، ولكن إن لم يكن ذلك الاختيار متطابقا مع خيارات كبار الساسة، واللوبيات المتحكمة في تلك الأنظمه ستتفاجـ بأن هؤلاء الساسة لديهم القدرة على تغيير خيارات تلك الشعوب لما هو في صالحهم.

وكيف تكون اختيارات الشعوب في دول أعيتها الأمية، سواء التعليمية أو الثقافية، هي الخيارات الأفضل، بل في دول ما تستطيع القول: إن النسبة الأكبر من آراءها تتحكم بها العصبيات والحاجات المادية التي كثيرا ما تستخدم لتحقيق أغراض ذوي النفوذ، والأكثر من ذلك، أن تلك الدول تعتمد على التعصب في الرأي كالسبيل الوحيد للمناقشات، ولم تتعلم الأسلوب الصحيح للمناقشة والاختلاف في الرأي؛ بسبب سوء الأحوال التعليمية والمجتمعية، وحتى أصحاب المؤهلات في تلك الدول لن تجد منهم من لديه القدرة على الحوار بأسلوب علمي يحترم آراء الآخرين، وقد صدق الراحل جلال عامر؛ عندما قال عن تلك الشعوب: إنها “تعودت أن تتفق بالكفوف وتختلف بالسيوف، وتتصارع على طريقة: (أنا أؤمن بالحوار، تناقشني أناقشك، وتجادلنى أجادلك، وتحاورني أحاورك، لكن تختلف معي أذبحك)”.

وبالتالي هل يمكن لغير المؤهلين أن يُترك لهم الأمر لاختيار قادتهم المتحكمين في مصائر تلك الدول؟ ولذلك إن أردنا جعل الديمقراطية أساسا للحكم في مثل هذه الدول فعلينا وضع شروط صارمة، ليس فقط للمترشحين للمناصب، بل للناخبين أصحاب الخيار؛ حتى يكون الأصلح من يقود، وليس الأكثر نفوذا، ويكون الاختيار على أسس علمية، وليس على أُسس التعصب الأعمى والحاجات والعاطفه أحيانا.

وحتى تتضح الأمور فعلينا أن نذكر تاليا بعض الأمثله لحضارات وعصور نهضت بها الأمم في ظل حكم استبدادي، وأمثله أخرى لأمم تصدر الديمقراطيه للآخرين في حين إنها لم تكن يوما كذلك، وأقامت حضاراتها الخاصه على أسس الاستبداد المقنع.

ومن الأمثله لتلك الحضارات الحضارة المصرية القديمة، والتي أبدعت في شتى المجالات، بل قدمت أصول لكافة العلوم الحديثة، وكثير من أسرار تلك الحضارة يتم اكتشافها حتى يومنا هذا، وكل ذلك تم تحت حكم فراعنة في نظام دكتاتورى بحت، وبالرغم من وجود بعض فترات الانهيار، إلا أنه في نهاية الأمر تم إنتاج حضارة من أعظم الحضارات على مر العصور.

وطالما تحدثنا عن مصر القديمة فعلينا أن نذكر مثالا آخر للدولة المصرية، ولكن في العصر الحديث وهي حقبة حكم محمد علي لمصر، وبالرغم من أنه لم يكن محمد علي من أصول مصرية، ولم يكن قطعاً ديمقراطيا فقد كانت أولى قراراته الإطاحة بكافة المعارضين سواء من المماليك أو الإنجليز أو المعارضة الداخلية التي تمثلت فيما يسمى بأعيان ومشايخ الشعب، وكانت الإطاحة بهم إما بالسجن أو التضييق أو النفي أو القتل، وكل ذلك بلا محاكمات، ومنها حادثة توصف بالمذبحة “مذبحة القلعة” والتي تخلص بها من قيادات المماليك، ولكن رغم ذلك يتم وصف محمد علي بمؤسس مصر الحديثة، حيث تمتعت مصر فى عهده بتقدم في كافه المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.

وفي الإطار العربي لن نستطيع أن نغفل تجربة الراحل صدام حسين في العراق، فبرغم دكتاتوريته واستبداده، إلا أن العراق لم تشهد في العصر الحديث فترة أكثر ازدهارا وتوحدا من عصره، بالرغم من إخفاقات الحروب خاضها، والتي لولاها لكانت تلك الفترة هى عصر ذهبي للعراق سياسيا ودوليا، إلا أنه، وبالرغم من ذلك، ظلت العراق في تلك الحقبة جوهرة الخليج، ووجهه العمل الأولي لطالبي الرزق من كافة الدول العربية، ثم أتت الحرب الأمريكية على العراق تحت هدف وحيد، وهو إقامة الديمقراطية وإنهاء الاستبداد وتخليص الشعب العراقي من الطاغية وما حدث “لا يخفى على أحد” هو أن قُسمت العراق رسميا حسب القبليات والشيع، والتي كانت تتعايش تحت سقف العراق بلا أزمات طوال حكم صدام، ولا تستبعد مطلقا أن يتم ترسيم حدود لتلك التقسيمات قريبا في خرائط العالم.

وكما في المنطقة العربية فهناك تجربة لا يمكن إغفالها في الجانب الآخر من العالم، وهي تجربة العملاق الصيني فالصين دولة شيوعية قائمة على نظام الحزب الواحد. فالحزب الشيوعي هو الحزب الحاكم بلا انتخابات شعبية ولا ما يسمى بمفهوم تداول السلطة، وبالتالي فالصين من الدول التي لا تطبق الديمقراطية بأي شكل، بل تعتبر الصين من الدول القمعية، وبالرغم من ذلك فالصين كيان عملاق، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، ومن المتوقع أن تتربع الصين خلال السنوات القليلة القادمة على رأس القوى العظمى في العالم.

أما عن معاقل الديمقراطية في الغرب فعلينا أن ننظر إليها بقليل من التحليل لنرى إن كانت بالفعل أنظمه ديمقراطية أم أنها أكثر استبدادا من بعض الدول المتهمة بالاستبداد بدايه نتحدث قليلاً عن معقل الديمقراطية في العالم “الولايات المتحدة الأمريكية” هل حقا الانتخابات الأهم في البلاد، والتي من خلالها يتم اختيار رئيس أكبر دولة مهيمنة فى العالم هى ديمقراطية وتعبر عن اختيار الشعب الأمريكي أم أنها مجرد مسرحية درامية لإضفاء شرعية لاختيارات بعض كبار الساسة واللوبيات المتحكمة في مصائر أكبر دولة في العالم، وبالتبعية مصائر أغلب الشعوب الأخرى.

وبإلقاء نظرة سريعة على نظام انتخابات الرئاسة الأميركية ستكتشف أن من ينتخب الرئيس ليس جموع الشعب التى تذهب للمقار الانتخابية لتدلي بصوتها، وإنما من يقوم بالانتخاب هم أعضاء المجمع الانتخابي الممثلين للولايات، وعددهم ٥٣٨ فرد، ومن المفترض أن هؤلاء الأعضاء مهمتهم التعبير عن آراء مواطنى كل ولاية يمثلونها، ولكن ما سيدهشك أن ذلك ليس إجباريا على أعضاء المجمع الانتخابي، فبإمكانهم انتخاب من يريدون، حتى لو اختلف ذلك مع رأى جموع مواطني الولايات الأمريكية، وقد حدث ذلك بالفعل في انتخابات عام ٢٠٠٠ عندما فاز “آل جور” على “جورج بوش الابن” بفارق ٥٤٠ ألف صوت انتخابي داخل مقرات الاقتراع الخاصة بالمواطنين، ولكنه من الواضح ان “آل جور” لم يكن رجل المرحلة ولم يكن من سيحقق الأهداف المنشودة لحكام أمريكا الحقيقيين فقام أعضاء المجمع الانتخابي الأمريكي الـ ٥٣٨ بانتخاب “جورج بوش الابن” بفارق صوت واحد، وبالتالي نجح “جورج بوش الابن” على غير رغبة الأمريكيين.

وَمِمَّا سبق نستخلص ان الحضارات والتقدم لا يقوم فقط على الديمقراطية الصماء والحرية المطلقة، وإنما هناك من المتطلبات الواجب توافرها لإقامة النهضة الحقيقية إن توفرت لإحدى المجتمعات تقدمت وازدهرت، دون النظر لنُظم الحكم المُتبعة، وعليه إن أردنا لشعوبنا العربية التقدم والازدهار فعلى القيادات الحاليّه والقادمة الاهتمام أولاً بالنهوض بالتعليم كأساس للتقدم والتنمية؛ لأنه بدون العلم لا تقوم الحضارات، وإن طُبقت كافة المفاهيم الحاكمة في بلاد التقدم.

وتاليا، على الساسة والقادة السياسيين تحديد رؤى مجتمعية واضحة وطويله الأمد، والعمل على تحقيقها بجداول زمنية محددة، حتى لا ترتبط التنمية بتواجد أشخاص بعينها داخل مناصبهم، وتنتهى بزوالهم كما في دولنا العربية على عكس الدول المتقدمة، والتى يقوم نموها على خطط موضوعة مسبقا، لا ترتبط بشخوص الحكام والمسئولين؛ فهم مجرد منفذين لتلك الرؤى.

وأخيراً مكافحة الفساد المنتشر في دولنا العربية، لأن ذلك الداء يعيق كافة محاولات التنمية، بل يهدم حضارات قائمة بالفعل، فالفساد المالي والإداري المنتشر داخل مجتمعاتنا العربية، ليس فسادا على مستوى القمة فقط، وإنما الفساد قد طال جميع الطبقات والأعمال، وعليه لن تقوم الحضارات العربية بدون تقليص حجم الفساد من القمة للقاع، وبشكل فعال وعاجل وبطريقه تضمن انخفاض معدلات الفساد مع مرور الزمن، ولا تترك المجال لعودته؛ حتى لا نكون كمن يحرث في الماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست