يعتبر الكرد إحدى أكبر القوميات التي لا تملك دولة مستقلة أو كيانًا سياسيًّا موحدًا معترفًا به عالميًا، بسبب اتفاقية سايكس ـ بيكو التي أعلن مسعود بارزاني موتها بعد مائة عام على ولادتها، قائلاً “اتفاق سايكس بيكو سقط في المنطقة برمتها”. إلا أن البارزاني الابن على ما يبدو، ينوء بحمل أثقال حلم والده الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني، ساعيًا إلى  تغيير المعادلة الجيو ـ سياسية التي رسمت قبل مائة عام.

هذه المعادلة التي حلم بتغييرها والده ولم يسعفه العمر ولا الظروف بتغييرها، وبقيت حلمًا ثوريًّا، هذه المعادلة المعقدة والمتشابكة يدخل غمارها مسعود بارزاني بجرأة بعد أن نفض يديه من استمرار التعاون مع بغداد، معتمدًا على استفتاء شعبي سيجرى في إقليم كردستان الشهر الثالث من هذا العام كما هو متوقع، في مواجهة مكشوفة ليس مع بغداد فقط وإنما مع خصومه المحليين من الكرد، وخصوصًا حركة التغيير التي يرأسها نيشروان مصطفى والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يعاني من غياب القيادة الموحدة.

أكثر من 63 دولة ربما ستدعم توجهات البارزاني لتحقيق الحلم الكردي بقيام الدولة المنشودة، التي لو قامت فإنها ستعتبر الثانية بتاريخ الشعب الكردي، و بحسب محمد جمعة المستشار السياسي للرئيس مسعود البارزاني، فإن العراق أصبح أمام أمر واقع من تحقيق الاستحقاق الكردي بحسب معاهدة سيفر الدولية، ويأتي هذا التصريح بعد أن أكد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية الأسبوع الماضي، “أن استقلال كردستان أقرب من أي وقت مضى”، وأعاد طرح قضية مصير الدولة الكردية خلال اجتماعه مساء الثلاثاء مع الأطراف السياسية في كردستان باستثناء التغيير، مؤكدًا على “ضرورة إجراء استفتاء حول مصير ومستقبل إقليم كردستان قبل بدء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية المقرر إجراؤها يوم الثلاثاء 8 تشرين الثاني 2016”.

في حال موافقة الشعب الكردي على الانفصال وهو ما يرجحه مراقبون، فإن حكومة الإقليم التي لديها مشاكل حدودية ومناطق متنازع عليها مع حكومة المركز في بغداد، ستحرم من 17% من موازنة الدولة العراقية المقرة في الدستور العراقي، وهذا مايدفع قوات البيشمركة الكردية إلى التوسع جنوبًا باتجاه كركوك الغنية بالنفط والسيطرة على أراضيها النفطية لتعويض النقص في ميزانية الإقليم، الأمر الذي قد يشعل صراعًا محتدمًا مع بغداد.

لكن مراكز البحوث الأكثر قربًا من بغداد تعتقد، أن معظم دول العالم ستقف إلى جانب كردستان، والواقع يثبت ذلك خاصة بعد أن داهم خطر داعش حدود أربيل عاصمة كردستان أثناء سقوط الموصل في وقتها استنفر العالم كل قوته من أجل إبعاد خطر داعش عن الأراضي الكردية.

وتختلف أدوار الدول المشاركة في دعم كردستان فهناك من يشارك بالدعم المالي ومن يشارك في العمليات العسكرية الميدانية والعمليات اللوجستية وغيرها، حيث أثبتت قيادة إقليم كردستان فاعلية علاقاتها المتميزة ومكانتها المهمة بالنسبة لدول العالم العظمى وهذا ما يجعل القيادة الكردية تفكر بجدية مطلقة بإعلان دولتهم المستقلة.

إلا أن نشوء دولة كردستان الثانية مع خارطة جديدة محتملة للمنطقة، سيجعلها في مواجهة رافضة للمولود الجديد، ووسط منطقة داخلية محصورة ستكون تحت رحمة تركيا وإيران وجزء يسير جدًا وغير مهم من سوريا، لذلك فليس من مصلحة كردستان أن تعادي حكومة العراق، لأن النفط الذي يشكل عصب اقتصاد دولة كردستان الجديدة لن يصدر بالطائرات، وأيضًا ليس من مصلحة دولة كردستان أن تُستغل من قبل تركيا وتعصبها لقوميتها، أو تدخل في صراع مذهبي أو عرقي مع إيران الرافضة لاستقلال كردستان منذ أمد بعيد، بل والساعية لمنع تحقيق الحلم الكردي ولو على حساب حرب محدودة ولكن غير مأمونة النتائج!

الواقع السياسي والعسكري في المنطقة ينذر بأن السنوات القادمة ستشهد ولادة عدة دول، ومنها دولة كردستان التي أركانها شبه قائمة، وتنتظر فقط الظروف المناسبة لإعلانها، فمن كان يتوقع تقسيم السودان إلى دولتين؟! انتظروا الخريطة القادمة للشرق الأوسط!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست