الأكيد أن داعش ليست أشخاصًا بل “فكرة” يعتقنها كُل متطرف، ويُهلل لها كُل إرهابي وإن لم يمارس الإرهاب بيديه، لكن مارسه بداخله، بفرحهِ الشديد عند إلحاق الأذى بالآخر، أي آخر، هؤلاء لا يرون سوى أنفسهم، وحدهم من يعرف الله، فهم أكثر إيمانًا من الرُسل وأعمق تقوى من الأنبياء، ودائمًا فوق جميع البشر، لذلك ستجدهم في كل طائفة، وستراهم في كل ملة، وستسمع أصواتهم عند كل معتقد، فهم أعلى من الإسلام، وأرقى من المسيحية، وكتبهم أقدس من كُتب اليهود، لا يُرضيهم سوى أن ينصاع لهم الجميع، وأن يؤمن بهم الجميع، وأن يتقرب إليهم الجميع، وضعوا أنفسهم محلّ الله، يقتلونا باسمه، ويغتصبوا إنسانيتنا تحت رايته.

من ضحايا الإرهاب الذي أخبرنا به التاريخ هي “هيباتيا”، فكان مقتلها مأساويًّا على يد جموع من الغوغاء المسيحيين (إرهابيين مسيحيين) التي تتبعتها عقب رجوعها لبيتها بعد إحدى ندواتها حيث قاموا بجرها من شعرها، ثم قاموا بنزع ملابسها وجرها عارية تمامًا بحبل ملفوف على يدها في شوارع الإسكندرية حتى تسلّخ جلدها، ثم إمعانًا في تعذيبها، قاموا بسلخ الباقي من جلدها بالأصداف إلى أن صارت جثة هامدة، ثم ألقوها فوق كومة من الأخشابِ وأشعلوا بها النيران.

هيباتيا.. هي أستاذة الفلسفة والتي علّمت فلسفتَي أرسطو وأفلاطون على السواء، وكان بين طلابها عدد من المسيحيين والأجانب، ورغم أنها لم تكن تؤمن بأي إله (ملحدة يعني) إلا أنها كانت محل تقدير وإعجاب تلامذتها المسيحيين، بل اعتبرها -في العصور اللاحقة- بعض المؤلّفين المسيحيين رمزًا للفضيلة.

أشيع أنها كانت زوجة الفيلسوف إيزودور السكندري غير أنها بقيت طوال حياتها عذراء، ويحكى أنها رفضت أحد خُطّابها عن طريق إعطائه خرقة بها بقع من دمها موضحة له أنه لا يوجد  شيء جميل في الرغبات الجسدية.

تبادلت هيباتيا مراسلات مع تلميذها السابق سينوسيوس القورينائي، والذي أصبح عام 410 ميلادية أسقف بتلومياس، وتعتبر هذه الرسائل مع كتابات دامسكيوس عنها المصادر الوحيدة المتبقية عن هيباتيا من طريق طلابها.

وعندما تحدث المؤرخ الكنسي سقراط عن هيباتيا في كتابه “تاريخ الكنيسة” قال: ”كانت هناك امرأة في الإسكندرية تدعى هيباتيا، وهي ابنة الفيلسوف ثيون، كانت بارعة في تحصيل كل العلوم المعاصرة، ما جعلها تتفوق على كل الفلاسفة المعاصرين لها، حيث كانت تقدم تفسيراتها وشروحاتها الفلسفية، خاصة فلسفة أفلاطون لمريديها الذين قدموا من كل المناطق، بالإضافة إلى تواضعها الشديد، فلم تكن تهوى الظهور أمام العامة، ورغم ذلك كانت تقف أمام قضاة المدينة وحكامها دون أن تفقد مسلكها المتواضع المهيب الذي كان يميزها عن سواها، والذي أكسبها احترام الجميع وتقديرهم لها، كان والي المدينة “أورستوس” في مقدمة هؤلاء الذين كانوا يُكِنّون لها عظيم الاحترام“.

وكان التفاف جمهور المثقفين حول الفيلسوفة العظيم “هيباتيا” يُسبب حرجًا بالغًا للكنيسة المسيحية وراعيها الأسقف كيرلس الأول، والذي كان يدرك خطورة هيباتيا على جماعة المسيحيين في المدينة، خاصة وأن أعداد جمهورها كان يزداد بصورة لافتة للأنظار.

بالإضافة إلى أن صداقتها للوالي “أوريستوس” الذي كان بينه وبين أسقف الإسكندرية كيرلس الأول الملقب بـ”عمود الدين” صراع سياسي في النفوذ والسيطرة على المدينة، كان أوريستوس مقربًا إلى هيباتيا ويُكِنّ لها تقديرًا كبيرًا،  كما قيل إنه كان أحد تلاميذها، وهو ما يفسر لما كان البابا كيرلس مستاءً مما قد يمثله وجود هيباتيا.

وزاد الأمر سوءًا أن الأسقف دخل في صراع مع اليهود الموجودين بالمدينة، وسعى جاهدًا لإخراجهم منها، ونجح في ذلك إلى حد كبير وذلك بمساعدة أعداد كبيرة من الرهبان، الذين شكّلوا ما يمكن تسميته بـ “بجيش الكنيسة” (أيوا جيش الكنيسة).

ولم يكن باستطاعة الوالي التصدي لهذه الفوضى، بل وتعرض بدوره للإهانة من جانب بعض الرهبان الذين قاموا بقذفه بالحجارة، بعد أن علموا بالتقرير الذي أرسله للإمبراطور متضمنًا الفوضى التي جرت بالإسكندرية جراء اشتباكاتهم مع اليهود، ومن ثم تأزمت العلاقة بين المسيحيين وبين الوالي أوريستوس رغم أنه كان مسيحيًّا أيضًا، وسرت الشائعات في المدينة أن سبب هذا العداء بين رجلي الإسكندرية يعود إلى هيباتيا وتأثيرها على حاكم المدينة، وهذا لم يكن يعني حسب اعتقادهم أن المدينة لن تعرف الهدوء إلا بالخلاص منها (إلا بالخلاص منها).

“آغورا”، فيلم دراما تاريخية يجسد شخصية “هيباتيا”، تم إنتاج هذا العمل السينمائي عام 2009م، والفيلم من إخراج المخرج التشيلي الإسباني أليخاندرو آمينابار، والذي شارك في كتابته إضافة إلى ميتيو جيل، الفيلم من بطولة راشيل وايز وماكس مينغيلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست