منذ ظهيرة الثلاثاء الماضي بدأت تنتشر في الأفق رائحة جديدة، رائحة تدركها النفس، ويقف العقل أمامها حيرانَ، وتكذب الروح نفسها حيالها، ولا تجد من أهل الأرض أحدًا لتلجأ إليه..

كانت قيادات الإخوان بطرفيْها قد اتفقت عيانًا بيانًا وضمنيًا على أن توقف حرب الخلافات ما بينها حتى تمر ذكرى ما سُميَ 25 يناير على خير، ولكم تمنيتُ أن تتم فصول الثورة بكل خير، ولكن ليس كل ما تتمناه الروح تدرك النفس، ولو بعضه، وفيما تداعيات خروج “الأبطال” من الثوار لا تزال تضيء وتملأ أفق مصر برائحة أشد من رائحة ندى الصباح، وقد كانوا على قلتهم أفضل ما في الوجود، ففي حين اتشح “نشطاء” بالسواد.. واكتفوا بترديد عبارة “نشاطركم الأحزان”، وفيما كانت أحزاب وحركات لطالما انخدعنا فيها تردد “لن نقدم شبابنا قرابين للسلطة الحالية”.

وفيما كان الجبناء هنا وهناك يدفنون رؤوسهم في الطين، كان زهرة شباب مصر يعلنون رفضهم لأن يساقوا إلى الذل، ولو كلفهم الأمر أرواحهم، ومنهم وعلى رأسهم نساء مصر الفضليات وبناتها، برغم خطر الموت والاعتقال والإصابة وأمور أخرى لا تخفى على أحد، وعلى الجانب الآخر كان فضيلة الشيخ “يوسف القرضاوي” يلملم أوراقًا خاصة بتقرير لجنة مكونة من الشيخ أحمد الريسوني من المغرب، والقيادي خالد مشعل من فلسطين وآخرين، وكان إصدار البيان إيذانًا بما لم يكن يخطر على بال الشيخ القرضاوي أو ربما عاقل ..

لمّا قام حلم الثورة في النفوس في مصر، لما استشهد خيرة شبابها مقاومين نظام مبارك، لما عاد المهاجرون من أصحاب المحبة الخاصة لهذا البلد.. كان الجميع يعلم ويعرف تمامًا أن في مصر قوتين.. إن سميناهما مؤسستين لم نخطئ.. لكن الأصل أنهما قوتان منظمتان وسط ركام دولة خلّفها المخلوع حسني مبارك: الإخوان والجيش، يمكن أن تقدم أو تؤخر فيهما لكنهما كانا أبرز قوتين في مصر، وبعيدًا عن تمام مجريات الثورة وسردها إلا أن النتيجة الحاصلة في النهاية هي الصدام بين القوتين.. وإن الصدام تكاليفه أكثر من باهظة على مصر والمصريين..

ولكن الأمر المُذهل إننا بعد خمس سنوات من الثورة لم نعان خلالها من انقسام في صفوف الجيش المصري، وقد أذاق مصر والمصريين بالغ الويلات، وراهن كثيرون على انقسامه، ولكننا وجدنا الانقسامات تضرب جماعة الإخوان التي أعلنت منذ تأسيسها عام  1928م إنها ما قامت إلا طاعة لأوامر الله ولأجل مرضاته، أما أدوات الاختلاف فهو مفارقة داخل المفارقة الرئيسية: إنها القيادات التي شاركت في حكم مصر على مدار عام وتمتْ إقالتها بالقوة..

وتلك التي كانت تاريخية في تاريخ الجماعة المعاصر على الأقل، وبعض الشباب الذين مالوا إلى هؤلاء أو هؤلاء، وأقصد بالكلمات الأخيرة إن الانقسام دبّ بصورة عرضية بين هؤلاء جميعًا، أما أسبابه المعلنة فهو إن الشباب يتصارعون مع الشيوخ الطاعنين في السن، وأما الأسباب غير المُعلنة فكثيرة على قمتها إن هؤلاء وهؤلاء “قابعون” خارج مصر، وغالبًا معهم أبناؤهم، ولا يراعون الله في الصف الثائر في مصر، ويُستثنَى من ذلك مندفعون دون تفكير، أو مستسلمون للأمر الواقع، والبعض ممن يتوقف فهمه عن كامل الفهم، أما الأسباب الخفية فهناك أصحاب مصالح من تأجيج هذا الصراع لحساب فسادهم، وهؤلاء لا يخلو منهم صف في حالة حرب أيًا ما كانت، وهم يحاولون إدارة الأمور لصالحهم.. أما إن أردنا تلخيصًا للصراع الحالي فهو ما نقله لي صديق خفيف الظل عن آخَر أكثر خفة للظل: الصراع في حقيقته حول من يجلس إلى جوار النافذة من “أتوبيس” إذا استمر في هذا الطريق سيسقط من شاهق..

إذا كانت القيادات التي قادت الجماعة إلى هذا المنزلق هي أساس الصراع الحالي من طرفين فأي خير يُرتجى من الجماعة الآن؟ وإذا كان أحد وزراء عهد الرئيس مرسي المشاركين في النهاية التي وصلت إليها مصر ينادي بإصلاح الجماعة فماذا يُنتظرُ لها ومنه؟ إذا كانت القيادات التي ارتكبتْ من الأخطاء ما ساوى قرب إنهاء حالة وجود الجماعة من الوجود، وهو ما لا أتمناه، لا تزال تتصدر صف الجماعة بل استطاع أغلبها “الخروج” لتواصل مسيرة الأخطاء من الخارج.. فماذا يُنتظرُ لهم ومنهم وللجماعة ومنها..

قال لهم الشيخ القرضاوي يوم الثلاثاء 26 من يناير الحالي، بعد يوم واحد من سيلان الدماء على أرض مصر.. وفيما الأحرار بل البنات في السجون من قدامى المعتقلين ومن الجدد، إنه لا داعي للتنابز الإعلامي فكان رد الطرفين، مجتمعين، أن خرجوا بعد ساعات قليلة من البيان معلنين مواصلة الخلافات، وكأنه لم تكن هناك وساطة، وكأنهم لا يريدون للموقف الحالي نهاية.. فإلى أين تتجه الجماعة؟ الأبطال في الشوارع يُكابدون ويُعانون والقيادات تواصل الاختلاف.. وكأنه دورها الحضاري الراقي الذي لا يمكن التخلي عنه، عبر الشاشات في الأستديوهات المكيفة.. وفي المواقع الإلكترونية، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ..

إن ما تفعله قيادات الإخوان اليوم لا يليق بالواقع الثوري على أرض مصر، وهو ما لم يقله لكم الشيخ القرضاوي ولجنته، وهو مَنْ هو، وقال: أعيدوا الانتخابات الداخلية والخارجية كي تصلوا إلى حل، واتفقوا على لائحة تبعدكم عن مواصلة الاختلافات إلى ما لا نهاية.. فهلا رحمتم الناس وفيهم الكبار والصغار من الموت الحقيقي والبطيء في السجون والمعتقلات والمنافي.. واتفقتم على حل يرضي ضمائركم أولًا.. وتكونون به رجالًا وقت اشتداد الظلمة.. وحميتم آمال وأحلام الملايين من الشرفاء فيكم.. على امتداد العالم كله، قبل أن تساهموا في مزيد من تردي واقع الحال في بلدكم.. لكم تمنينا أن تفعلوا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست