في عالمنا المعاصر، يوجد آلاف وسائل الإعلام المنتشرة في معظم أنحاء العالم بأشكالها المختلفة المرئية والمسموعة والمطبوعة، إضافة إلى الإعلام الجديد (وسائل التواصل الاجتماعي).

لكن رغم كل الشعارات التي ترفعها وسائل الإعلام من مصداقية ومهنية، إلا أنه لا يوجد إعلام مهني، فلا توجد وسيلة إعلامية في العالم كله إلا وتدعم قضية معينة أو حزبًا أو حكومة أو جماعة أو حلفًا، وتدافع عن أفكاره ومبادئه، فلا يمكنها أن تنشر ما ينافي تلك القضية أو الحزب أو ما يخالف ما تدعو إليه من أفكار ومبادئ.

وأحيانا كثيرة ما يحرف الإعلام الأخبار أو يعيد صياغتها بعدة طرق بما يناسب أهدافه، فهو لا يكذب بالضرورة كذبًا صريحًا ولكن يمكنه مثلا الانتقاص من الخبر وعدم إبرازه كاملا، وهذا في حد ذاته أكبر تحريف للخبر، فمثلا قبل عدة أيام أصدرت الجبهة السلفية في مصر بيانًا تستنكر فيه “إعدام السعودية لعدد من العلماء السنة وتلاميذهم الصادقين والأبرياء، في حين أنها غطت على إعدامهم شيعيًّا واحدًا فقط وهو نمر النمر” كما قال البيان.

لكن تتفاجأ حين تجد صحيفة اليوم السابع المصرية تنشر الخبر تحت عنوان: “مفاجأة.. الجبهة السلفية تنحاز للشيعة بعد إعدام نمر وتصفهم بالصادقين”.

وتجد موقع cnn على الشبكة العنكبوتية يعنون “سلفية مصر تهاجم السعودية لإعدام النمر مع 46 من الأبرياء”.

وكما يمكن للإعلام أيضًا إبراز خبر وإهمال آخر بما يخدم مصالحه، فتجد مثلا قناة الميادين المؤيدة للنظام السوري تبرز أخبار “الانتصارات” التي يحققها جيش النظام وتهمل انتصارات المعارضة وقد لا تذكرها أصلا، لكن تجد قناة الجزيرة تنشر أخبار تقدم المعارضة والنظام على حد سواء، ولكن في المقابل في ملف آخر كالملف اليمني ستبرز الجزيرة أخبار “انتصارات” التحالف العربي، وتهمل أخبار الاتهامات الموجهة للتحالف من المنظمات الدولية مثل هيومان رايتس ووتش التي اتهمت التحالف باستخدام القنابل العنقودية.

كما يستطيع الإعلام أن يوجه الرأي العام تجاه قضية معينة ويسلط عليها جميع الأضواء بما يتناسب مع أهدافه أيضًا، ما قد يؤدي إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع أو حتى قلب نظام الحكم. فمثلا أدى الحشد الإعلامي في عهد مرسي ضد نظام حكمه وإبراز مساوئه وتضخيمها وإهمال محاسنه؛ أدى إلى حشد كثير من المصريين ضده بعد تغييب عقولهم، ما وفر الأرضية الخصبة للانقلاب العسكري وعزل الرئيس مرسي.

فكما قال وزير إعلام هتلر: “أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي”، ولكن دعنا ننظر للأمر بإيجابية ونقول: “أعطني إعلامًا موضوعيا أعطك شعبًا واعيًا متحضرًا”.

فالإعلام جزء مهم جدا من عملية النهوض المجتمعي والخروج من مستنقعات الجهل والتخلف التي يعيشها عالمنا العربي.

في النهاية، إن كانت القضية التي تدافع عنها الوسيلة الإعلامية قضية إنسانية صادقة، فلن تحتاج إلى كل وسائل الكذب والتدليس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست