هكذا هي الحياة، يولد الطفل صغيرا ضعيفا، لا يدرك شيئا، قطعة لحم تحتاج من يهتم بها، يرعاها كي تكبر شيئا فشيئا، لكي يصبح الطفل قادرا على الوعي، بالغا فاهما، ذا شخصية، كالبذرة تحتاج أن تسقيها إلى أن يدلو منها ثمارها.

أول الحقوق

كبرتُ أيها الصغير، الآن تدرك الكثير، تسيرُ -مسيرا كنت أو مخيرا- في دورة الحياة، وها هي تتبدل الأدوار، حان وقتُ كفالة من كنفوك سلفا.

أهم الواجبات

بين هذا وذاك، بعد غرس البذرة وانتظار جني الثمار، ورغم أنها نفس التربة، إلا أنها تحتضن ذلك الصراع الأبدي! إنه التصادم المهدر للغة الحوار، وثقافة الاختلاف، فصراع الأجيال هو الانعكاس الطبيعي لترسيخ وتأثير عادات تركت أثرها في النفوس وتراكمت، محتدما ما بين التقليد والتجديد، كن فيكون” ضد” ” لن أعيش في جلبابِ أبي”.

الاختلاف -فكريا- مع الآباء ليس عقوقا، ولم يكن نقدهما بأي حالٍ من الأحوال نكرانا للجميل، وفكرة أن الآباء دائما على صواب غير صحيحة، وليس مستبعدا ولا عيبا أن يكون الابن صاحب الرأي الأصوب ذو الحجة الأقوى، رغم امتداد خبرة الآباء بأعوامٍ، والتجارب الأكثر التي مروا بها، إلا أن الله يهب الحكمة لمن يشاء كبيرا كان أو صغيرا.

يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَالَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا

[مريم:3]

وصل الاختلاف حد العصبية بعد أن فرق بين الأسرة الواحدة، انتهى أحيانا بالتَبَرُّؤ أو بقضايا الحجر ودور رعاية كبار السن، وبعضهم انقلب على أبيه ليظفر بالحكم، ووصل ذروته بالفرقة ذلك بتغير العقيدة لأخرى ليست للآباء (سيدنا إبراهيم عليه السلام)، وآباءلم يستطيعوا إقناع أبناءهم بديانة الحق (سيدنا نوحٍ)، أو أدى الاختلاف إلى الهجرة وترك هذا الصراع، الذي لم ينتهي بصوره وأشكاله .

ما كان سيحدث في كل ذلك إن كان هناك ثقافة للاختلاف، كل طرف يعرض رأيه، والكل منصت جيدا، فاتحا قلبه متدبرا بعقله، والغلبة إذن للحجة الأقوى المممزوجة بالمنطق والدليل، دون الميل والتعصب لرأي، ولا عيب أن أكون مخطئا أو تخطئ أنت .

الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية

عليك أن تتغير يا أبي، لتعلم أنني لم أولد كي أسير على دربك مسيرا مجبرا، لا تضعني في قالب صنعته من أفكارك وأحلامك بأن أكون التمثال الذي تود رؤيته! بل أن أكون نفسي، خير من أن أفقد ذاتي أمام رغباتك وطموحاتك التي ربما تظلمني بها دون أن تشعر، فقط لأنني لست هذا الشخص!! دائما ما أنتظر نصائحك وتوجيهاتك التي تجعلني أتفادى كثيرا من العوائق والعواقب والتي جنبتني مشاكل عدة، أشعر بأمان أكثر لمجرد بقائك بجانبي. ولكنها حياتي بحلوها ومرها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، كثير من المواقف أود التحدث بها لأبنائي، عن تجربة مارستها ومارستني .

عن شخصي، فقد تفهم والدي -أطال الله في عمره- إلى حد كبير مفهومي هذا، وشرعنا في التعامل بهذه الثقافة الراقية، ولكن لم أتناول الموضوع لشخصي، ولكن دائما ما يقال إن رئيس العمل، المدرس، المسئول، الحكومة، ورئيس الدولة… إلخ أنهم آباؤنا إن جاز تعبيرك! فعليكم يا آباءنا أن تتغيروا! وتغيروا تلك الأفكار التي تقتل يوما بعد يوم أجيالا جديدة، أجيال فقدت الثقة في التغيير كرد فعل لهذا التصرف، ما أكثر مرضى الاكتئاب، والانتحارات، وكل ما نريده هو فقط أن تسمعوننا، وتتركوا لنا الفرصة لنعبر عن أنفسنا دون إقصاء أو استهزاء .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست