“هذه جامعة وليست طنجرة ضغط”، تلك الجملة التي سمعتها في أحد الأفلام الأجنبية وأيقنتها بعد فترة من التحاقي بإحدى الكليات العملية ! فحقًا ما أشبهنا بالأرز في “طنجرة الضغط” ونحن نركض طوال اليوم بين قاعات المحاضرات والمعامل والمكتبات، ولا يشغل بالنا سوى الأوراق والأبحاث والمشاريع والامتحانات وضيق الوقت وتراكم المواد! فننسى بينهم حياتنا ونهملها باحتياجاتها وبتفاصيلها وبعلاقاتها!

أما “طنجرة الضغط” فهي أداة لا أعلم عنها سوى أن آلية عملها هي طهي الطعام بحبس الحرارة؛ أي أنها وبمجرد إغلاقها فهي تكتم الهواء داخلها ولا تسمح بدخوله أو خروجه، كما تحبسنا كليات القمة وتكتم معنا أفكارنا واحتياجاتنا وإبداعاتنا ومهاراتنا، لتحشو معلوماتها المعقدة بداخل عقولنا، لنحفظها فقط، فقط!

وفتنتنا الجامعة!


هل تتذكر أول يوم ذهبت فيه إلى الجامعة؟ طبيبٌ أو مهندسٌ صغيرٌ يحمل فوق ظهره آمالًا وتوقعاتٍ وأحلامًا لطالما رسخها أهله في نفسه! وتلك هي الجامعة وها هو حلمه أمام عينيه، وما أجملها من الخارج! حياةٌ كبيرة ومستقلةٌ لأول مرة، فهل هناك أفضل عند المراهق من أن تشعره أنه قد كبر؟

وفي البداية محاضراتٌ قليلة ومتسع من الوقت! وتبدأ العادات الدراسية في الهبوط التدريجي ويبدأ طالب الثانوية العامة في اعتياد الكسل والخمول الطبيعي لطلاب الجامعات، وببعضٍ من التعمق فيها سينقلب الحال رأسًا على عقب، وتجد نفسك لا تتعامل كالثانوية العامة مع كتابٍ ومنهج واحد! بل أنت مطالب بجمع كل المعلومات عن ما تدرسه بشتى الطرق والوسائل، ثم الخضوع لاختباراتٍ نظريةٍ وعمليةٍ وشفهيةٍ، وستدرك أنك دخلت ساحة الحرب بقدميك وأن الجامعة ما هي إلا خدعة كبيرة ستحمل أكثر سنوات حياتك ضغطًا وتعبًا وإرهاقًا.

أن تكون أو لا تكون


هنا البناء وهنا الهدم، والجامعة هي أهم مرحلة في بناء الفكر والشخصية والصورة الاجتماعية والعلمية والجسدية، ومجتمع الجامعة أوسع مما تتخيل! فقبل أن تخطو هنا يجب أن تدرك جيدًا ماذا تفعل ولماذا تفعل؟ وإن لم تحدد أهدافك وأولوياتك فستغرق ببساطة وستحولك الجامعة إلى إنسان “فارغ” من الداخل!

إنسان لا يفقه شيئًا في أي مجالاتٍ فنية أو رياضية أو حتى خيرية! لا ينمي مهاراته ولا يؤمن بمواهبه ويحبس نفسه داخل أسوارٍ وضعتها أنظمة التعليم ظنًا منه أنه لا سبيل للتفوق سوى بالامتناع عن الحياة!

ليصل بنفسه في النهاية إلى ما قالت عنه منظمة الصحة الأمريكية في دراسةٍ أجرتها عام 2006 أن حالة “الإجهاد الأكاديمي” تمثل أكبر عقبة صحية أمام طلاب الجامعات! فما هو “الإجهاد الأكاديمي” إذًا؟


من القلق يبدأ كل شيء!

في دراسة شملت 249 طالبًا وطالبة في إحدى الجامعات الأمريكية، تبين أن هناك سببًا رئيسيًا وراء حالة “الإجهاد الأكاديمي”، وهو “القلق”!

نحن نقلق من كل اختبارٍ وكل تقديرٍ وكل درجةٍ وكل ما يترتب عليهم! نحن نقلق من إحساس الفشل والعجز! نقلق من أن لا نحقق طموحات وآمال أهالينا التي دائمًا ما كانت أعلى مما ندرك أننا نستطيع تحقيقه، نقلق من صورتنا أمام أنفسنا وأهلنا وأصدقائنا التي لطالما كانت عبارة عن ما نحصده من نتائج!

أما الامتحانات فلطالما أصابت أشخاصًا بأزماتٍ نفسية ونوبات هلعٍ ووساوس! بل إني قرأت قصة فتاةٍ قد أصيبت بحالة “الهوس” بسبب ضغط الدراسة! وآخرُ توقف قلبه ومات بمجرد سماعه خبر رسوبه في الثانوية العامة! فهذا القلق المرضي الذي يصيبنا جميعًا أيام الامتحانات ليس بالأمر الهين ولا يجب أبدًا أن يمر مرور الكرام!

وجدير بالذكر أنه وحسب نفس الدراسة، فإن وراء القلق الدراسي سببيْن، أولهما فشلنا الدائم في إدارة الوقت، فنحن كطلبة جامعات لا نتقن سوى التسويف! والآخر وهو ما ذكرته سابقًا هو عدم انشغال الطالب بأي شيء سوى الدراسة، فيبقى بداخل “الطنجرة” مانعًا دخول الهواء منه وإليه، والغريب في تلك الدراسة أنها ذكرت أن الفتيات وبالرغم من قدرتهن على إدارة أوقاتهن بشكل أكثر فاعلية من الشباب، فهن أيضًا أكثر عرضة لحالات القلق!

العلم فالشهادة، أم الشهادة فالعلم؟

فدخلت فيها جاهلًا متواضعًا، وخرجت منها جاهلًا دكتورًا!


نحن أجيالٌ لا نحب أن نتعلم، أجيالٌ تربت على أن التعليم هو “المفروض” الذي يجب رفضه!

أجيالٌ أخبروهم أن تعلّموا “لتأخذوا شهاداتكم”! ولم يخبروهم تعلّموا لأن “طلب العلم فريضة”، ولأن عدو الإنسان الأول هو “الجهل”!

أجيالٌ كرهت التعليم ومناهجه وحتى معلميه وتمنت زواله! واكتفوا بحشو المعلومات في عقولهم فقط لأن هناك ما يدعى “الاختبار” وما تدعى “النتيجة”، وفي النهاية “شهادة”!

ولنبكِ على أنفسنا إذًا!

هنا عشنا، وهنا تلاشينا..


في الجامعة، ستجد من قتلت بداخله أحلامه وطموحاته بعد أن أجبره أهله أو أجبره مجموعه على ذلك التخصص الذي لا يناسب ميوله أبدًا! ستجد فيهم من ما زال يقاوم لإثبات نفسه، وستجد من استسلم لتيار الرسوب وقضى سنوات شبابه يتنقل بين الجامعات! ومن سلك طريقًا أسهل للنجاح “بالغش”!

ستجد من دخلها ليخلق لنفسه تجاربه الخاصة؛ يقع فيها ويتعلم، وستجد من اختار أن يعيش على تجارب الآخرين، وستجد من لا يفكر سوى في كل ما يبني شخصيته وينير فكره، وستجد من لا يكترث!

ومن علمته الجامعة أن يخطط لحياته ويرسم مستقبله بدون الحاجة إلى استشارة أي شخص، وآخرُ ما زال لا يملك القوة والجرأة الكافية لاتخاذ قراراته، وآخرُ أصابه الخوف من الجامعة بما يدعى علميًا بمتلازمة بيتر بان Peter Pan syndrome”” وهي أن يريد الشخص من داخله ألا يكبر، ولا يعطي نفسه فرصة لرسم المستقبل أو حتى التفكير فيه!

وستجد من دائمًا ما يصارع من أجل فكرة يؤمن بها، ومن يضحي بإجازاته وأوقات فراغه من أجل عمل خيري يسعد به يتيمًا أو مريضًا.. ستجد من دائمًا تتذمر من شكلها أو من وزنها، وأخرى أخذت قرارها بارتداء الحجاب بعد دخول الجامعة، والثالثة قد خلعته!

ستجد الحياة بكل أشكالها وألوانها في مجتمع لن يتكرر عليك مرتين! وهنا لا مكان للحياد، فإما أن تعيش أو تتلاشى، أن تكون أو لا تكون!

وفي النهاية، لن أنسى أن أخبرك بأنه إذا تسرعت بفتح “طنجرة الضغط” بعد نضج الطعام مباشرةً، فإن البخار المنبعث منها قد يضرك أو يسبب لك حروقًا أنت في غنى عنها، والطريقة المثلى هي أن تفتحها بالتدريج وتترك البخار يخرج على راحته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست