هي قصة حزَّت في نفسي، وجرحت قلبي الجريح، من عالم لا يعترف بالكفاءة، ولا بالموهبة، بلال ذلك الصحفي الصادق، الذي ذاق من مرارة المهنة، رغم أنه كان سيسطع نجمه عما قريب في سماء الإعلام الجزائري. عرف عنه المصداقية والتفاني في العمل، وما طلب إلا ملعبا يفجر فيه إمكانياته، فأعطي مساحة صغيرة كانت كافية، لتميط اللثام عن إرادة صحفي متواضع في النجاح وكتابة عهد جديد في تاريخ الإعلام باللغة الأمازيغية والعربية، ولكن هذا الحلم سرعان ما ضاع بعد أن توقفت حياته المهنية بفعلة كائن من كان.

اليوم وبعد ثلاثة أشهر مرت على دخوله قفص البطالة الصحفية، وبين التأرجح بين بعض القنوات والوسائل الإعلامية دون جدوى، وجد بلال نفسه أمام واقع الحياة المرير في العاصمة، فما كان منه إلا أن يقبل بالعمل في محل للحلويات، وما هو بالأمر العيب، بل تحية واحترام نزفها إليه، لكن العيب أن ترى موهبة وكفاءة مثل تلك تعمل في غير مكانها المناسب، أو الأصح أنها كانت ستمد الجزائر بأكثر مما تمده الآن في متجر الحلويات.

لا يختلف اثنان على أن الحياة تمتحنك يوميًا قبل أن تقدم لك الدروس، ولا يختلف الجمع على أن مهنة الصحافة هي مهنة المتاعب، ومما لا شك فيه أن الصحفي بين المواطن العادي والصحفي المهني يسقط من أعلى المستويات وينهض من أعمق الهاويات، وبين ذاك الحلم البريء وذلك الواقع المرير، يتذوق في حياته من الحلو والمر، وما أكثر المرارة في عصرنا هذا، فلا يبقى إلا ذو نفس طويل، وذو حظ عظيم.

أن تكون صحفيًّا في الجزائر، ليس شيئا عاديًا، وليس بالشيء الخارق، لكن المسار الطويل والكفاح الكبير الذي تخوضه حتى تثبت نفسك، وترفع قلمك الحر، وتطلق العنان لصوتك الشجي، هو الشيء المميز في الأمر وحياتك إن كنت رجلا طبعا.

ثلاثة شروط حتى تصبح صحفيا:

ليس عليك أن تكون حائزًا على جائزة بوليتزر لتدخل مجال الصحافة ولكن ربما تكون لا شيء وتكون نجمًا فوق العادة، وعبر سنوات قليلة جدا، اكتشفت أنه هناك ثلاثة شروط حتى تكون صحفيا في الجزائر.

1.إذا أردت ولوج مهنة المتاعب، فعليك بالواسطة، التي تضمن لك راتبًا ربما كافيا لعيش حياة كريمة، وربما قد يكون غير كاف، لكن ما دام في جنباتك واسطة قوية، فستظهر على الشاشة، أو ترقى، أو تعوض بشكل من الأشكال الذي يدل على قذارة الميدان بسبب قذارة الناس المديرين للمكان.

2.إذا أردت أن تصبح صحفيًا، فيجب أن تكون رجلا. لكن الرجولة عند بعضهم هي تحمل ذل المهنة، وإهانة من لا مستوى لهم، فتقبل هذه الوضعية إلى حين من التاريخ، إن حدثت المعجزة وعرفت قيمتك، حينها ربما يعوض عنك ما فات. والرجولة عند البعض الآخر، أن تفرض نفسك بعملك وموهبتك التي تصنعها لنفسك، فلا تقبل تلك السمعة والقيمة التي يضعونها لك، لأنهم بذلك احتقروك. وعليه فكن رجلا رغم كل شيء، وكن صحفيًا أو مت وأنت تحاول، لأن عالم الإعلام ليس بالمدينة المثالية، ولكنه المستنقع الذي تصادف فيه الرجال والأصدقاء والعملاء، والنساء منهن الحرائر، ومنهن الماكرات، ولا ينقصك هم الجنس الثالث، فاختر أيا من الفئات إليها تنتمي، المهم أن تكون رجلا.

3.الموهبة والإصرار والإرادة، هم مفاتيح النجاح الطويل، وقد صنفتهم في المقام الثالث لأنه حين تتوفر فيك هذه الصفات، ولا تكون لديك على الأقل واحدة من الصفتين الأوليَيْن، فاعلم أن هذه الإرادة والموهبة والإصرار، كلها سيتحطم بلمح البصر في عالمنا الذي لا يرحم.

بلال هو واحد من آلاف الصحفيين الذين يعانون من التهميش وسياسة التمييز، وبيروقراطية الوسائط والمعارف التي نخرت مجتمعنا في كل الميادين، حتى أصبحت الصحافة المهنة القذرة التي يباع فيها الشرف، وتسقط فيها الرجولة، وتدس فيها الدسائس.

لكن الأكيد أن أمثال بلال لا يزالون صامدين وعن أهدافهم المشروعة لا يتنازلون بسهولة، رغم أن الاستمرار في هذا المجال أصبح مستصعبًا على الجميع، ما دام يخضع لمفهوم التركيز الإعلامي، والوسائط، والملكية التي تعتمد للتوظيف في بعض المؤسسات الإعلامية. وعلى أمل أن يجد بلال والبقية ضالتهم، أرفع قبعتي أنا العبد الضعيف تحية لك يا بلال، وأرفع قلمي هذا أيضًا تضامنًا معك، وربما تدعوني لنأكل من الحلويات التي تبيعها ونشرب نخب مهنة المتاعب التي على الأقل جعلتنا نعرف أناسًا من معدنك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست