لا يختلف اثنان داخل أو خارج الحركة الإسلامية في العالم، على مركزية فكر السيد قطب وتأثيره القوي على التيارات ذات المرجعية الإسلامية، وخاصة أن منها الإخوان المسلمين، فصاحب الظلال شكل نقطة تحول كبيرة داخل فكر الجماعة، وأثر فيه نظريا وتنظيميا من منطلق التجربة المريرة التي عاشها مع النظام حينها، وكتابه “معالم في الطريق” كان هو النص الذي يلخص كل ما جاء به الشهيد “قطب” حول نظرته للدولة وللمجتمع وللفرد.

كان هذا الكتاب عبارة عن بيان تأسيسي لانبثاق مفهوم حديث لدور الجماعات الإسلامية في العالم، فألهم عددا من الجماعات لتبني نظرية “المجتمع الجاهلي” و”الجماعة المسلمة” وغير ذلك من القواعد التي تم استنباطها من كتب “السيد”، وبغض النظر عن ما كتب الشهيد، فإن الجماعات أوالحركات الإسلامية كانت رهينة للنص/النظرية دائما، بعيدة بأشواط عن الواقع، لأنها لم تخض أي تجربة فعلية.

ليظهر بعد إعدام “السيد قطب” عدة مفكرين ومنظرين يدحضون ما تركه من إرث في ذهن الفرد المنتمي للحركة الإسلامية، فكان المفكر أو فيلسوف الحضارة كما يسمونه “مالك بن نبي” أبرز من واجه فكر “السيد قطب” حيث اعتبره بعيدا عن الواقع في كتابه الشهير “شروط النهضة” الذي بين فيه نظرة اعتبرها أكثر فاعلية ووجاهة من نظرة صاحب المعالم.

هذا التطور كان ملهما الأستاذ “راشد الغنوشي” زعيم حركة النهضة التونسية الذي تقابل مع مالك بن نبي في الجزائر، والذي عبر عن تخيره لرؤية هذا الأخير على رؤية السيد قطب، فكان كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” لبّ نظرية الأستاذ راشد الغنوشي للحكم والمجتمع.

والأستاذ “راشد الغنوشي” وحركة النهضة في تونس تطورت هي داخلها، فانتقلت من الحديث عن “أسلمة الدولة” ونظرية “الدولة الكافرة” و”جماعة الحق والباطل”،  إلى الإيمان والتعايش مع المختلف، وانبثق من الأستاذ “راشد” فكرة التوافق والتعايش والتنازل من أجل المصلحة العامة، ويعود هذا التطور أو ما يسميه البعض “مراجعات” إلى التجربة التي عاشتها النهضة في تونس مما جعلها لا تقدس النظريات والقوالب في ظل الواقع.

فبالرغم من تعامله الكثيف مع النظام المصري وشهادته على عصر الضباط الأحرار،  فإن السيد قطب لم يكوّن تجربة تضع نظرياته والواقع في ميزان واحد، ففكرته كانت رهينة للاعتقاد والنصوص لا للواقعية والفاعلية وهذا ما جعلها بعيدة عن واقعنا رغم أهمية ما كتبه وكثافة علمه وجمال أسلوبه. أماالأستاذ “راشد الغنوشي” فقد قفز بفكره وخطابه، الذي أصبح الناس يستحسنونه ويتداولونه، إلى مرحلة تجعل ما يكتبه وما يقوله قابل للتطبيق، فغاية النظريات والنصوص العمل بها وأهمية كل نص هو كيف يمثل للواقع  وهو الذي جعل الغنوشي يبتعد كثيرا عن فكر قطب الذي نشأ وتعلم عليه، فالتجربة هي التي تثبت رجاحة النصوص وواقعيتها لا العزلة والابتعاد عن الواقع.

وهنا نخلص للفرق الذي جعل النموذج التونسي هوالنموذج الأنجح في بلدان الربيع، فتونس على عكس مصر حينما كان الإخوان المسلمين في الحكم، قامت بولادة نظريات وفكر قائم على تجربتها الفريدة منبثقة من الواقع، فكُتب الشيخ “راشد الغنوشي” بعد الثورة كلها كانت تحاكي الواقع والتجربة، وتهيئ متلقيها لما سيحصل في البلاد، أما جماعة الإخوان كانت رهينة للنص والنظرية ولم تتعامل مع الواقع بأساليبه مما جعلها تسقط في مربع كانت في غنى عنه.

النظرية والتجربة ثنائية يجب أن يراعيها من كان يريد أن يحقق تغييرا حقيقيا في الواقع،  فكارل ماركس كان واقعيا وماوتسي تونغ وتروتسكي وخوجة كانوا واقعيين مما جعل أفكارهم تتحول لتجارب في لحظة ما، كذلك منظري الرأسمالية مثل جون لوك وآدام سميث كانوا كذلك، دون أن ننسى ما فعله منتيسكيو وجان جاك روسو من دور في اندلاع ثورة فرنسا، فالحركة الإسلامية اليوم هي أحوج إلى الواقعية والفاعلية من الأفكار السامية المطلقة التي تعد مثل أحلام أفلاطون بمدينته الفاضلة.

وأختم أخيرا بمقتطف من مقال الأستاذ “راشد الغنوشي” كلمة إلى أبناء الصحوة الإسلامية” الذي يعبر فيه عن واقعيته.

“إنّ التشدّد في التصوّر وبساطة النظر إلى الواقع والانصراف عن فقه المقاصد وفقه الموازنات وفقه المصالح والأولويات والاستعلاء عن أئمة الفقه بزعم الاستمداد المباشر من المصادر مع ضعف التأهّل لمثل هذه المهمّة، بعض أسباب فشل فكر التشدّد والتكفير واستخدام القوّة في غير موضعها،  مما كان له بالغ الضرر على دعوة الإسلام في مواطن كثيرة في سوريا ومصر والجزائر. ويخشى أن نفس الأسباب ونفس الأفكار تقود إلى نفس النتائج، وبالخصوص مع الحرب المتواصلة على دعاة الوسطية والاعتدال وعلى كتبهم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست