دريد لحام خان المبدأ الأخلاقي للفن

سعدية مفرح

لا أدري ماذا سيكون موقف الشاعر الراحل، محمد الماغوط، لو كان حياً، وسمع تصريحات الممثل الذي ساهم في صنع شهرته المدويّة، صعوداً على أكتاف نصوصه الخالدة، لكن الماغوط الذي قال يوماً إن “أسوأ ديمقراطية في الدنيا أفضل من أعدل ديكتاتور” لن يكون سعيداً بممثله الأثير، وهو يراه منحنياً أمام صورة الدكتاتور في وصلةٍ من المديح الرخيص الذي تعدّى بها كل ما يمكن تخيله من فنان بالمطلق.

ذلك أن الفن حرية، فإنْ تحوّل إلى بوق لتمجيد الطغيان والعبودية، علينا أن نعيد النظر بالصفة، وبمن يحملها في إطار الفن. برّر مناصرو الفنان السوري، دريد لحام، ومتبنو مواقفه السياسية، بالقول إنه حر في اتخاذ ما يشاء من آراء وأفكار، وعلى الجميع تقبل ما أبداه من إعجاب شديد بإيران، وبمرشدها الأعلى، وبتدخلها السافر في الثورة السورية، انحيازاً ضدها، في تصريحاته أخيراً، من باب حرية الرأي، وهو تبريرٌ وجيه، لو كان لا يخص إيران وسورية ودريد لحام تحديداً.

فمن السهل علينا هضم هذه المبررات فعلاً، لو أن دريد لحام لم يكن فناناً يُفترض، بالضرورة، أنه يحمل فكراً مغايراً لأفكار الدولة الدينية، كما هي مطبقة في إيران، مثلاً. ومن الممكن أيضاً هضمها، لو لم يكن هو غوار الطوشة، كما عرفته الجماهير العربية بهذا الاسم أو بغيره من الأسماء التي بنى من خلالها صرحه الفني العالي، محارباً شرساً ضد الطغيان، وضد الدكتاتورية، وضد خنوع الأنظمة العربية أمام إسرائيل، وضد كل من جعل المواطن العربي لا يحتاج  أكثر من “شوية كرامة”، كما ورد في بعض مسرحياته السياسية.

نسف هذا الفنان المخضرم كل ما قاله، وما عمله، وما حاول إقناع الآخرين به طوال عمله في الفن بسهولة بالغة، فلم يجد غضاضةً في الوقوف أمام الميكرفون وعدسات التصوير، ليردّد عبارات أشبه بالقصيدة الشعرية، متغزلاً فيها بقائد سياسي وديني، ساهمت بلاده في تدمير سورية وقتل سوريين كثيرين.

ولم يكتف الفنان المرهف الحس، كما يفترض، والذي أسال دموعنا سابقاً، وهو يغني للأم بشجن عميق، بمغازلة العمامة الدينية ذات البعد الطائفي اللافت، بل أسبغ عليها صفاتٍ كثيرة لا تليق ربما إلا بالأنبياء، فخاطب صاحبها قائلاً: “في روحك القداسة، في عينيك الأمل، في يديك العمل، وفي كلامك أمر يلبى”، ثم خطا خطوة أبعد من مجرد خيانة المبدأ الأخلاقي للفن، نحو خيانة الأرض التي كانت غربته في إحدى مسرحياته المبكرة، والوطن الذي رفع كأسه مترعاً بالتضحيات في مسرحيةٍ أخرى، إذ تابع قائلاً بصوت متهدج: “ازدادت قدسية ترابنا، حين ارتقى بعض من رجالاتك إلى عليائها. لك الحب والتقدير والإجلال من شعبٍ صامدٍ وجيش عتيد. عاشت إيران، تحيا سورية”.

لم يشعر بالخجل، وهو يخلط، في نهاية كلمة العار، بين التحية التي تعلمها من انضمامه للحزب القومي السوري حيث “تحيا سوريا” الكبرى وطناً قومياً عروبياً خالصا، و”عاشت إيران”، وهي ترسل مقاتليها ليقتلوا السوريين في أرضهم، وبأوامر مباشرة من دكتاتورهم، وصديقه صاحب العمامة .

هل قرّر دريد لحام أن يخلع قناعه أخيراً، ليرينا أنه ليس سوى ممثلٍ، أتقن كل الأدوار المرسومة له في الفن وفي الحياة أيضا؟ أم ليلبس أمامنا قناعه الجديد بما يتناسب والدور الجديد له، بعد أن انهار البعد الرابع في المسرح السوري، وأصبح على كل الممثلين أن يؤدوا أدوارهم الحقيقية في الحياة؟

من الوصايا التي تركها الماغوط وراءه، وغادر المسرح بمن فيه، وصية قال فيها ” لا تنحنِ لأحد، مهما كان الأمر ضرورياً، فقد لا تواتيك الفرصة لتنهض مرة أخرى”. والواضح أن دريد لحام انحنى، هذه المرة، للأبد، بعد أن تنازل عن كل الفرص التي كان يمكن أن تأتيه بـ”شوية كرامة”.. في سبيل تلك العمامة.