صحيفة الدفاع الفلسطينية صدرت في يافا عام 1934

زياد خداش

وحده الفلسطيني البالغ الذي عاش في رام الله قبل “حزيران 67″، سيتنهد بعمق، أو يضرب رأسه بيده، أو يقف متحركاً نحو النافذة، فاتحا إياها، ملاحقاً أنفاسه الهاربة منه، فيما لو ذكر أمامه اسم أبو الحبايب. سيقفز من ذاكرة أصواته العتيقة المكدّسة في أعماقه صوت بيّاع الجرائد الثمانيني، وهو يتنقل من شارعٍ إلى شارع صائحاً (فلسطين، الدفاع، الجهاد. فلسطين، الدفاع، الجهاد). لم يعرف أحدٌ اسمه الأول، أو من أي بلد هو، أو هل كان متزوجاً أم لا؟ ولو بذل الناس بصيص جهدٍ وسألوه، لأجابهم وعرفوا. علاقتهم به كانت لا تتعدى حدود يد نصف غافية، تمتد من بابٍ أو نافذةٍ، لتأخذ من يد أخرى متجعدة جريدةً أو مجلة. لم يكن أحدٌ، ببساطةٍ، مهتماً لمعرفة هوية هذا العجوز الغامض.


كانت هويته صوته، وهو يهز نوم رام الله في الصباحات الباكرة. كان أبو الحبايب مجرد صوت، لكنه كان جزءاً أساسيا من حياة المدينة وتفاصيلها. كان صوتها وأخبارها، وسرّها، وصباحها، يولد صوت أبو الحبايب من رحم الرابعة فجراً، ويموت مدفوناً في مقبرة قيظ الثانية عشرة، بعد أن يدفع ما ربحه من بيع الجرائد ثمناً لوجبته اليومية الدسمة الوحيدة (المسخن)، من فندق عودة الشهير. كان بيته بيت درج عمارة من عمارات المدينة. كان ُيشاهد وهو ينهض من نومه، في وقت محدّد، ترتيب الفراش بكل هذه الدقة والصرامة، إحكام لبس الكلبك العثماني وإغلاق المعطف الشتوي الوحيد، الذي كان يلبسه صيف شتاء، وتلميع البسطار الوحيد. كان ذلك كله يجعل كل من يراه يظنه جندياً عثمانياً سابقاً، هرب من الحرب العظمى، واختفى في طيات المدن الفلسطينية.
أكثر من خمسة عقود مرت على اختفاء صوت صباحات رام الله القديم، في صباح السادس من حزيران، السادس شديد الحرارة. لم يكن الناس يعرفون أن ذلك الصباح سيكون مختلفاً تماماً عما قبله، وأن الحياة بعده لن تشبه الحياة قبله أبداً، لم يكن صوت أبو الحبايب هو الذي أيقظ سكان المدينة، هذه المرة. استيقظ بعضهم على ضجيج غياب صوتهم اليومي. كان هناك صوت أعلى وأصخب من كل الأصوات، كان صوت الطائرات الإسرائيلية، وهي تخلخل سماء المدينة، وتقضم تفاحة شمسها السعيدة.
احتل الإسرائيليون رام الله، كما احتلوا باقي مدن الضفة. اختفى الجنود العرب، وصار الصوت الوحيد هو صوت الجنود الغرباء بدورياتهم المتعجرفة، وهم يجرّون فجر المدينة المصدوم من رقبته، ويصيحون في وجهه: (ممنوع تجول، يا أهل رام الله. ممنوع تجول). حينها انتبه الناس إلى غياب صوت صباحاتهم.
أشهر مضت على احتلال رام الله. حمد الناس ربهم، لأن لا شهداء مدنيين سقطوا في قصف الطائرات المدينة، لكن السؤال عن اختفاء أبو الحبايب ظل يتجوّل بين الناس، مثل شرارةٍ ستقود إلى حريق إشاعات ضخمة: أبو الحبايب يهودي عراقي زرعته إسرائيل في المدينة متنكراً في هيئة بائع جرائد، وقد قدم خدمات جليلة للاحتلال، فهو الذي أرشد المحتلين إلى طرق تحرك الجنود العرب، وقد شوهدت دورية احتلال تقوم بالتقاطه من بيت الدرج، بعد احتلال المدينة.
هرب أبو الحبايب إلى عمّان مع بعض الجنود العرب، شوهد يبيع الجرائد في “سقف السيل” في عمان. أبو الحبايب مختبئ في مخيم الجلزون القريب، في بيت ابنته الوحيدة، فقد تبين أن له بنتا متزوجة هناك.
وحده عامل شاب من عمال فندق عودة قال، محتجاً على الإشاعات وباكياً، الحقيقة التي ستشعل رام الله حزناً طويلا ومفاجأة: رأيت أبو الحبايب يركض، بلا جرائد، ورأيت جسده من نافذة غرفةٍ في الفندق، وهو يتناثر. غابت طائرة الاحتلال، وأسرعتُ إلى الأشلاء، جمعتُها بيديّ، وضعتها في كيس خيش، وخبأتها في مخزن الفندق، وحين جاء الليل، حملتُ الكيس على ظهري، وذهبت إلى (هناك) لدفن شهيد رام الله الوحيد. ولم يسأل الناس المصدومون، الذين تجمعوا حول العامل المتأثر، أين تعني كلمة (هناك).