لوحة للفنان ياسر صافي

أحمد عمر

الكائن الذي سنروي بطولاته كاتب سوري، سطع نجمه بكثرة النشر في الثمانينيات ثم انطفأ مثل فقاعة. انقطع التيار الكهربائي الأيديولوجي عنه بسقوط الاتحاد السوفييتي، فسقط مضرجاً بدبس الأيديولوجيا، وعلق في الدبق مثل ذبابةٍ لها خرطوم فيل.. كان يحبُّ كثيراً أن يقول، في الأمسيات الشعرية التي يعمل فيها عريفاً، وأحياناً نقيباً أول: وأنتهز هذه الفرصة لأقول كذا..


كان انتهازياً جداً، متكبّراً مع من يظنهم دونه ومطئطاً لمن يظنهم فوقه.. دارت الأيام وصار جنرالاً في الثقافة، يفلح ويزرع، واللحظ يجرح، وعيون تجدل مراجل ودولارات .. فأشرف من علٍ على المعلقات الجديدة. صار رفيقنا الكولوخوزي بعثي الجرثومة والفيروس. كلنا يتبدل، والمشكلة ادعاء البطولة وقصب السبق.
في أحد الأيام، كنت في زيارته في مكتبه، للحصول على كتبٍ مجانيةٍ، وكان يعدُّ مجلته الجديدة، فوجدت صورة “زهرة الصحراء” على غلافها، فغمزت منه، فقال لي: ويحك، وهل يكره أحد صورة هذه الزهرة. وكانت زهرة الصحراء مثل عقيلات معظم الرؤساء العرب تحنو على ضحايا المخابرات من الأيتام والمعوقين والثكالى وأنكيدو وجلجامش.
حوّل الكائن الغضروفي الخالي من العظم مكتبه، في مجلته الجديدة الذي كان عادياً فيما مضى، إلى قلعة وثكنة؛ أقفال وسكرتيرات… صار الوصول إليه يتطلب جواز سفر ومواعيد عرقوب، وأمسى سندباداً جوياً، يقضي كل أسبوع في عاصمة من عواصم العالم بغرض التواصل الثقافي مع العالم، وكتابة أخبار الرحلات وطعوم البن البرازيلي والتدليك الفلبيني والكفتة المصرية. ولا أعرف الحيلة التي استطاع بها ابن خرطوطة دسّ خالته وحماته في إعراب الوفود الثقافية، فالطبخ والطعام وفهارس المائدة ثقافة أيضاً.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الصديق في جيب فلاديمير بوتين بوتين، فقد الرجل الإلهام، ولم يعد يكتب سوى أشعار عن أنكيدو وجلجامش وزهرة الصحراء، وجملٍ مرصعةٍ بالمجازات والاستعارات موزعة على سطور والمطبوعات تحت يده، ولها مكافأة تعلق بالضرس، فأصدر عدة كتبٍ في سنةٍ واحدةٍ عن منقوع عشبة الخلود وحب الآنسة عنود.
مضت سنتان على الثورة، وهو لا يزال يغازل زهرة الصحراء وزوجها أبو رقبة. بعد علامات النصر، انتهز كاتبنا فرصة إيفاده إلى تمبكتو أو تمبكثري والدار البيضاء، وقرّر الانشقاق بصمت، مع أنه يحبُّ الشهرة، فكسر بصلتين، وسالت دموعه أنهاراً، وأبدى الحزن والأسى على دمار البلد، ولعن الزمان والمؤامرة. ومع الأيام، زادت نبرة الثائر، عندما صار في إسطنبول، وجاراً لي في النُزل، فأمسى يشتم النظام والجماعات الإرهابية، سواء بسواء! ثم انحاز إلى الثورة، من غير أن يظهر على التلفزيون ويعلن انشقاقه، مع أنه جنرال وله كتب وكتائب.. ثم صار أنكيدو بن جلجامش الزماميري غرفة أخبار على “فيسبوك” بالإشعارات وإنشاء صفحات الثورة، يولول ويلطم ويصيح ليل نهار: أنا بطل الثورة. وكنت منفيا في جنيف وتمبكتو وتمبكفور والدار البيضاء وليالي الأنس في فيينا، ثم حط بي المنفى رحاله في إسطنبول، ويعلمنا أنَّ كل الثوار والفنانين هم أصدقاؤه، ويتذكّر مقاطع شعرية له، فيها تلميحات ضد الطغيان، لا ترى حتى بالتلكسوب الفضائي للبرهان على نضاله القديم.
واظب أنكيدو الطيطي على التقاط صور مع مشاهير الثورة السورية، مثل هادي العبدالله وخالد أبو صلاح ومالك الجندلي، حتى يكتسب الثورية بالعدوى. ثم كتب حكاية من الذكريات، يروي قصته مع معلمٍ بعثي طلب منه أن يكتب، قبل أربعين سنة، على اللوح: عاشت الحركة التصحيحية، فكتب التلميذ النجيب: أقوى الحركات هي الكسر وعاش الوطن.
سكر الكائن من منقوع عشبة الخلود والهذيان، وهو يروي بطولاته في صالة النُزل، فسألني نوري الذي كان زائراً: هل هذا هو الشهيد غياث مطر، يا خال؟ فقمت وقبّلته فرحا بنباهته.. فقد اكتشف حبيب ليلى مراد المجهول.