لم تكن السيدة فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أكبر بنات أبيها العظيم لما وقف يخطب في الصحابة الكرام قائلا:

ـ إنما أهلك الأمم من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وإذا سرق القوي فيهم تركوه.. والله لو أن "فاطمة بنت محمد" سرقتْ لقطعت يدها!

إنه، صلى الله عليه وسلم، وليس كمثله من البشر أحدٌ يُعلي راية المساواة بين الناس، فلا يقول لو أن "زينب بنت محمد" سرقتْ، و"السيدة زينب" أكبر بناته، صلى الله عليه وسلم، ولها مكانة في قلبه ليست ككل مكانة حتى إنها لما هرب زوجها "العاص بن الربيع" من المسلمين، وكانوا قد استردوا بعض ما لديهم لدى قريش بأخذ تجارة لها كان العاص يقودها، وضاقتْ بالأخير السبل فلم يجد إلا بيت حميه، الرسول العظيم، ليلجأ إلى "السيدة زينب"، زوجته مع إيقاف التنفيذ إذ إن استمراره على الكفر حال دون امتداد تلك العلاقة الوثيقة، يومها صاحتْ السيدة زينب والصحابة يؤدون صلاة الصبح خلف أبيها:

ـ أيها الناس إنا قد أجرنا العاص بن الربيع فلا يتعرضن له أحد!

فلما سلّم الرسول العظيم قال للصحابة الكرام:

ـ أسمعتم ما سمعت.. آما إنني لم أعلم بالأمر إلا كما علمتم ولكن المسلمين يجير أدناهم على أعلاهم..!

ومن محبته لها، صلى الله عليه وسلم، أمرها بالإبقاء على زوجها في بيتها، ولكن لا يخلصن إليها، لأنه لا يحل لها..

فلماذا لم يقل الرسول العظيم، والحال إن محبة السيدة "زينب" في قلبه عظيمة، لو سرقتْ "زينب بنت محمد"، أو لو سرقت "رقية بنت محمد"، أو لو سرقت "أم كلثوم بنت محمد".. لقطع محمد يدها.. وإنما اختار "السيدة فاطمة"؟

والسرقة أحد أبرز أمراض الأمم إذ إن الأمر لا يحتاج سوى إلى غفلة من "المسروق" ومثلها من ضمير السارق، بخاصة مع كثرة العدد.. وتعدد طرق السرقة، فمن المال العام للخاص إلى أوقات العمل، في النهاية طرق السرقة تتعد وعدم إقامة الحد يساوي استفحالها..

انتقى الرسول العظيم، في الخير والعدل وضرب المثل عليه، أقرب بناته إلى القلب، مع عظم محبته للباقيات، والوحيدة التي عاشتْ حتى مات، وكانت أسرع أهله لحوقا به، صلى الله عليه وسلم، إذ ماتت بعده بستة شهور فقط، ليعلن إنه لا تمييز لديه.. ولا رحمة أو إغفال للحد عن سارق، أياَ من كان.. وكانت مكانته في القوم..!

وما أصاب أمتنا اليوم، وأهلك الأمم السابقة، كما قال صلى الله عليه وسلم، سوى هذه الانتقائية في التعامل مع الشعوب.. وبين أفرادها، وإيقاع العقوبة على البعض دون الآخر بحسب الأهواء والمزاج الشخصي والتوازنات الفردية والجمعية لا بحسب الجريمة التي ارتكبها كل منهم.. وقس على ذلك مميزات الحياة من تعليم واستثمار وتلقي خدمات حتى شرب للمياه وتنفس للهواء، فالمميزون من أفراد الشعوب يتلقون هذه الخدمات كما ينبغي أن يكون له التلقي.. والباقون الذين يمثلون غالبية الشعب لا يكادون يحصلون على واحد في المليون مما تناله تلك الأقليات، وبالتالي فلديك التعليم في مدارس راقية نظيفة بأعداد قليلة، ولديك القصور والسيارات الفارهة والشركات.. وفي المقابل لديك البسطاء الذين لا يجدون إلا العراء ليقيموا فيه، ولديك وزير للعدل في واحدة من أبرز الدول العربية.. وبعد محاولة ثورة حاولت إقامة ميزان العدل فيها، كما ينبغي، لا كما يقول كتاب الانتقائية يخرج قائلا:

ـ نحن السادة وأنتم العبيد!

وهو يقصد عامة الشعب، ويقول إن كل منتمٍ لفصيل، من فصائل نفس الشعب، وهو الفصيل المشهود له بأنه اقل أفراده إصابة بأمراضه، يجب أن يموت منهم من عشرة آلاف حتى أربعمائة ألف في مقابل كل ضحية من ضحايا العنف في البلاد، مع إنه لم يثبت على الفصيل استهداف لهؤلاء!

تلك الانتقائية أكلت كبد لا قلب الأمة فقط، وزير العدل المناط به تحقيق العدل المصري يريد إبادة جماعية كما في "الأندلس" للإخوان المسلمين في مصر لمجرد إنهم حاولوا إقامة ميزان العدل المكسور في مصر، وكانت لهم أخطاء أغلبها يتعلق بحسن الظن، فيما يجيء هو بثورة مضادة بخطايا لا تحصيها إلا أقلام ملائكة الجبار، ويريد إبادتهم، ويظن إنه بعدها ستحيا دولة.. وويل من أمة هذا أحد وزراء العدل بها.. وويل من أمة وصل بها التدهور الحضاري إلى حد اعتماد مثل هذا "الرُّجيل" وزيرا للعدل ليقسم بالله إن أول رئيس جمهورية منتخب في تاريخ مصر سوف يتم إعدامه، وإلا فإنه "مستقيل" من منصبه، ولم يقل، أذاقه الله من الويلات ما يستحق، وهو المتهم في قضايا فساد، كان الأولى به أن تقطع يده نظير ما سرق لا أن يتهم الشرفاء الأبرياء بما لم يثبت عليه، وبمنتهى الفاشية يصدر الحكم عليهم بالموت الجزافي الجماعي.. مئات الألوف دفعة واحدة.. ليحقق المجزرة الشعبية التي دعا إليها سيده منذ 3 من يوليو 2013م.. قائد الانقلاب الذي لا يستحق ذكر اسمه.. ولم يقل وزير العدل إنه مستقيل بسبب سجن الأبرياء من النساء والبنات، وهو ربما ما لم يفعله حتى فرعون مصر في جبروته، إذ كان يستحي النساء والفتيات فيتركهن، ويقتل الصبيان والرجال، لم يقل إنه سيستقيل بسبب المظالم والتصفيات الجماعية لأبرياء.. وبسبب الدماء التي لا حصر لها في مصر.. وإنما أعلن إنه سيفعل لو لم تتم، ظلما تنفيذ عقوبة الإعدام في الرئيس المصري المنتخب وفق آلية الديمقراطية التي اعتمدها عالم اليوم!

صار السارق يتحكم في رقاب العباد ويستذل رقاب الشرفاء، وتلك إحدى مآسي مصر اليوم، تماما كما كان يفعل فرعون منذ آلاف السنين ألم يعل في الأرض؟ ألم يستضعف أهل مصر؟ ألم يجعلهم شيعا.. يقتل رجال وصبيان طائفة منهم.. ويترك زوجاتهم؟

تلك الانتقائية البالغة السوء هي التي تهلك مصر والأمة فيما وزيرة العدل الفرنسية "كريستيان توبيرا" الأربعاء الأخير من شهر يناير.. قبل أن يصوت البرلمان هناك على تخيير طرف من المهاجرين الفرنسيين مزدوجي الجنسية بين جنسيتهم الأصلية والفرنسية، فيما هم ثبتت إدانتهم بالإرهاب، أو ما اصطلح على إطلاق الاسم عليهم.. ولما شعرت بأنه سيحدث ما تخشاه تعلن تقديم استقالتها، وهي تدافع بموقفها هذا عن عرب.. وأصابع اتهام تشير إليهم، ولكن ضميرها غير مرتاح..

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعدل وحده ركيزة استمرار الأمم وتقدمها.. ويوم يسود الضمير تتقدم، ويوم يتخلف تبالغ في التأخر!