ميشيل كيلو

في تعليق على موقفٍ تركي، اتهم روسيا بالسعي إلى إقامة دويلة في الساحل السوري، نفى ناطق رسمي روسي أن تكون هذه سياسة بلاده، وقال إن موسكو تريد أن “تبقى سورية دولة ديمقراطية ومدنية وعلمانية”.


لو استخدم المعلق كلمة “تصير”، لكان تعبيره موفقاً وصحيحاً، فسورية لم تكن منذ انقلاب عام 1963 دولة، حتى تكون ديمقراطية ومدنية وعلمانية، وبالتالي، فإن كلمة “تبقى”، المستخدمة في التصريح، لا تعبر عن حقيقة الواقع السياسي السوري، مع أنني أشاركه الاعتقاد أن هدف الهجوم الروسي على سورية ليس إقامة “دويلة” في الساحل، بل إخضاع الشعب السوري في كل مكان من وطنه للنظام الاستبدادي الحالي، واستعادة سيطرته المطلقة على كل قرية وبلدة ومدينة، وشطب الشعب من المجال العام، وتحويله إلى قطيعٍ تائبٍ من أغنام طائعة، ينفي وجودها وجود الدولة التي لا تقوم من دون شعبٍ، هو مصدر سيادتها، أي شرعيتها، الوحيد.
يستخدم الناطق كلمة “تبقى”، ليوهمنا أن العصابة الأسدية ديمقراطية ومدنية وعلمانية، ويبرّر حرب بلاده ضد شعبنا الذي يصير في الفهم الروسي متمرداً على دولة ديمقراطية، وليس شعباً ثائراً يطالب بحريته، المتاحة بوفرة في دولته، وإلا لما كانت ديمقراطية ومدنية وعلمانية. من جهة أخرى، لو كان الشعب صادقاً في طلب الحرية، لوالى نظامه وأطاعه، بدل أن يتمرّد عليه، ويعمل للتخلص من ديمقراطيته ومدنيته وعلمانيته، التي يفضي القضاء عليها إلى نظام إرهابي معادٍ لأقانيم الحداثة والتقدم الثلاثة، والتي تعني مناهضة أي واحد منها موالاة الإرهاب والقضاء على الحرية.
يقول الناطق “تبقى”، ويقول السوريون “تصير”، لأن “الدولة” الأسدية ليست ديمقراطية ومدنية وعلمانية، ولو كانت كذلك حقاً لما ثار الشعب عليها، ولوجد الأسد من الأدوات والوسائل والخطط ما يتكفل بحل مشكلاته معهم، ولطوّر نظامه، وأصلحه وفق رغباتهم، فالديمقراطية لا تعني، في الواقع، شيئاً آخر غير قبول مطالب الشعب، والتكيف معها، في ظل الحرية وتوافق المصالح الفردية والعامة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتوفيق بينها وبين الحكم، في كل ما يتصل بآلياته وأهدافه، وبناء مجال عام يستطيع المواطن التحرك فيه، من دون أن يرتطم ارتطاماً عنيفاً بغيره، لأن لديه من وسائل الحوار والصراع السلمي الشرعي وضمانات القوانين والآليات التداولية والتفاوضية والتوازنات، ما يمكّنه من تحقيق ما يريده، وإنْ تدريجياً، في أجواء من السلام الاجتماعي والأمان القانوني والتماسك والانفتاح الوطني.
ليس النظام السوري ديمقراطياً، ناهيك عن كونه مدنياً وعلمانياً. لو كان مدنياً لما كان طائفياً، ولو كان علمانياً لما تدخل في الشؤون الدينية والإيمانية للمواطنين، ولما وضع يده على الدين ومؤسساته، وأرغم الشعب على عبادة رموزه، كما عبد آلهة الديانات الوثنية. وإذا كان الشعب قد ثار عليه، فلكي يقيم نظاماً ديمقراطياً ومدنياً طال توقه إليه، لم يعد عيشه ممكنا بدونه، بعد تجربته المريرة والمكلفة جداً مع الاستبداد، ونتائجه المروعة التي حصدها خلال نيف ونصف قرن، وخصوصاً على الصعد الديمقراطية والمدنية والعلمانية التي انتفت، بصورةٍ مطلقةٍ، من بلاده وحياته، وعرّضه غيابها لهمجيةٍ شاملةٍ تعاظمت بلا انقطاع، ولعمليات إذلال وإفقار وتمزيق منظمة، أشرف على تنفيذها جهاز قمعي، تكفل بموت الشعب سياسياً قبل الثورة، وبإبادته جسدياً بعدها، ليس دفاعاً عن الديمقراطية، بل عن استبدادٍ أرسلت روسيا جيشها لإنقاذه، باعتراف رئيسها فلاديمير بوتين، كي لا تنتصر الحرية في سورية، وتبنى دولةً ديمقراطيةً ومدنيةً وعلمانية فيها.
ليست سورية الراهنة ديمقراطية، لكنها ستكون كذلك بتضحيات شعبها من أجل حريته، وستصير ديمقراطيةً، بعد أن تكسر شوكة غزاتها الروس والإيرانيين، أعداء الديمقراطية والمدنية والعلمانية الذين يقتلوننا، لكي نبقى عبيد الاستبداد الأسدي الذي قتل العباد، وباعهم البلاد.