مخيم الزعتري وحده: مائة ألف لاجئ سوري (15 إبريل/2014/أ.ف.ب)

نضال منصور

يرفع العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، ولأول مرة، صوته محذراً “سينهار السد عاجلاً أم آجلاً على ما أعتقد”. وتأتي صرخة الملك خارج الخطاب الدبلوماسي المألوف للأردن، حيث يتابع تحذيراته ورسائله بالقول “الشعب الأردني وصل حد الغليان، نتيجة المعاناة التي تسببها نزوح مئات الآلاف من اللاجئين السوريين للأردن”.


ولا تختلف تحذيرات الملك كثيراً عن كلام رئيس الوزراء الأردني، عبدالله النسور، الذي قال، في اجتماعات رسمية معلنة، “نحن لا نتسول المساعدات”، في إشارة منه إلى ضرورة أن يقدم المجتمع الدولي الدعم للأردن، نظير احتضانه اللاجئين السوريين.
تغير خطاب الأردن، في الأشهر الماضية، وأصبح أكثر وضوحاً في تحميل الدول الغربية المسؤولية عن إنقاذ الوضع الإنساني والاقتصادي للاجئين، وجاءت العمليات الإرهابية، في في نوفمبر/تشرين ثاني الماضي، في باريس، وما تبعها من مواقف متشنجة من دول أوروبية في رفض استقبال اللاجئين، ليعزز موقف الأردن الذي يستضيف، منذ خمس سنوات، ما يقارب مليوناً ونصف المليون لاجئ على أراضيه، على الرغم من شح إمكاناته المالية والاقتصادية.
مختصر الموقف الأردني يتحدث بصراحة، إن دول أوروبا “غصّت” بمئات الآلاف من اللاجئين، على الرغم من كل ثرواتها وإمكاناتها، وحديثها ليلاً نهاراً عن حقوق اللاجئين وأهمية احترام منظومة حقوق الإنسان، وبدأت تتوجس وترتجف من تزايد الأخطار الإرهابية المحيقة بها، بسبب احتمال تسلل إرهابيين بين جموع المهاجرين. ولذلك، لم تخجل بعض الدول من بناء الأسوار والأسلاك الشائكة، ولم يستح بعض قادة أحزاب اليمين من إطلاقه تصريحات عدائية ولا إنسانية ضد اللاجئين.
خلاصة ما حدث أن العالم الغربي بدأ يكتشف أن تقديم الدعم لدول الجوار المستضيفة للاجئين أقل كلفة وخطراً من تدفق مئات الألوف منهم إلى أوروبا ودول العالم. وقد بدأ الأردن يفهم مفردات هذا التحول الجديد، من دون لبس. ولذلك، لم يعد يستجدي، وبات يشعر أنه يملك أوراق قوة، يستطيع أن يستخدمها، ويناور بها في مؤتمر لندن.
تجلت رهانات الأردن على “مؤتمر لندن”، طوال الأيام الماضية، بلقاءات الملك عبدالله الثاني، واجتماعات وزيري الخارجية والتخطيط، ناصر جودة وعماد فاخوري، والبدء بإعداد تصوراتٍ لحزمة مشاريع لمساعدة اللاجئين السوريين، ودعم المجتمعات المحلية المضيفة.
لا تتوقف المطالب الأردنية عند حدود الدعم المباشر لإغاثة اللاجئين، بل يجري الحديث عن

“يعيش الأردن أزمة اقتصادية، خصوصاً بعد تنامي المديونية وانسداد الأفق لجلب استثمارات مالية”

تطوير مقاربةٍ لإدماجهم في المجتمعات المحلية، ما يعني توفير مشاريع وفرص عمل لهم، حتى يشعروا بالاطمئنان، وتنتهي المخاوف من أن يشكلوا خطراً أمنياً، إذا أغلقت في وجوههم فرص المستقبل. هذا الطرح الذي تتقبله الحكومة الأردنية شريطة أن يتزامن مع إيجاد فرص بالتوازي للأردنيين، والمجتمعات المستضيفة، وهو ما يثير، في المقابل، قلق الأردنيين بأن هذا التفكير بالإدماج لا يختلف كثيراً عن توطين اللاجئين، خصوصاً على ضوء دراسات نُشرت، أخيراً، من مؤسسات دولية بأن مدة إقامة اللاجئين في بلد اللجوء ما يقارب 17 عاماً، ويزيد الصورة مأساوية تشظي الوضع السوري أكثر وأكثر، والأرقام المخيفة عن أن إعادة إعمار سورية تحتاج مئات المليارات.
“مؤتمر لندن” الذي ينعقد اليوم الخميس (4 فبراير/شباط 2016) هو الفرصة الأخيرة للأردن ليعالج الاختلالات الاقتصادية التي أنتجها اللجوء السوري. وفي هذه المرة، لا يذهب بخطابات أو شعارات، بل معززاً بأرقام التعداد السكاني الذي أعلنت نتائجه أخيراً، وكشف بالأرقام أن عدد اللاجئين يشكلون ثلث سكان المملكة.
ما يحتاجه الأردن، أيضاً، هو دعم مباشر لموازنة الدولة التي لم تستقبل، حسب تقارير الحكومة، أكثر من 35% من حجم كلف اللجوء منذ عام 2011، وأن دول العالم تفكر بالدعم الإغاثي المباشر، مثل الطعام والإقامة للاجئين في المخيمات، في حين أن أكثر من 75% من اللاجئين يقيمون في المدن الأردنية، وأن أطفالهم يتلقون التعليم في المدارس ويعالجون في مراكزها الصحية ومستشفياتها ويستنزفون مواردها، ويستفيدون من دعم الخبز والمحروقات، مثلهم مثل الأردنيين، ويشكلون عبئاً جديداً على شبكات المياه والصرف الصحي وكل الخدمات. وهذا كله يحتاج إلى الدعم، وهو ما لا يفعله المجتمع الدولي، إلا في الحدود الدنيا.
يتزامن “مؤتمر لندن” مع انتهاء “المنحة الخليجية” للأردن، والتي استمرت خمس سنوات. وعلى ضوء انهيار أسعار النفط، يتخوف مسؤولون في عمّان من احتمالات أن لا تجدد دول الخليج هذه المنحة التي اعتبرت في وقتها شحيحة، وربطت بإنجاز دراسات جدوى وتنفيذ مشاريع في المدن الأردنية، ولم تكن مباشرة لمساعدة خزينة الدولة.
في كل الأحوال. يعيش الأردن أزمة اقتصادية، خصوصاً بعد تنامي المديونية وانسداد الأفق لجلب استثمارات مالية في إقليمٍ يحترق بنار الحروب والصراعات المذهبية. ويتفاقم المشهد تعقيداً في ظل الأخطار والتهديدات الأمنية، فالتنظيمات الإرهابية تقف على بعد كيلومترات من حدود الأردن، ومن يدفع فاتورة ذلك كله المواطنون الذين يسكتون، ويبتلعون سكين الغلاء والضرائب، حتى يحافظوا على أنفسهم، وينعموا بالأمن الذي يستر ما تبقى من حياتهم الكريمة.