كتاب “أقوم قيلا” شديد الركاكة والتناقض

إيمان القويفلي

السمة الأولى لمناقشة “الإلحاد” في الفضاء الاجتماعي السعودي هي ضعف الشعور بالمسؤولية، أو حتى انعدامهُ تماماً، على الضدّ مما تحاول أن توحي به هذه النقاشات الصاخبة، والمناقشون الهائجون والسلطات الرسمية المشتبكة مع الموضوع بقراراتها وأحكامها.


فقرة “اصطياد الملاحدة” أصبحت عرضاً كلاسيكياً ثابتاً في الحياة الاجتماعية في السعودية. لم تبتكره الحياة الافتراضية على الشبكات الاجتماعية، فالجذور الفكرية والممارسات الاجتماعية أعمق وجوداً وأقدم بكثير، تبلورت في العقود الأخيرة في لحظاتٍ اجتماعيةٍ معيّنةٍ، كلحظة مطاردة الشعراء الحداثيين وصدور كتاب “الحداثة في ميزان الإسلام” مع تقريظ من مفتي البلاد، ولحظة قيادة المرأة السيارة عام 1990 والمنشورات ضد النساء الأعضاء في المجموعة. إسهام الشبكات الاجتماعية في تطوير العرض تمثل في ضغطه في مشاهد قصيرة، تتصاعد بحدّة مع بثّ تفاعليّ مباشر للجمهور. وعلى الرغم من أن التيار المشايخي الذي يلعب دور الطليعة المقاتلة في التصدّي للإلحاد يعرّف بدوره حامياً للمجتمع وقيمه، وكذا يفعل الجمهور الذي يسانده بالتأييد، وأولئك المنخرطون في مناقشة الملحدين، وكذا المؤسسات الرسمية التي تتدخل بسلطتها لحصارهم وعقابهم، إلا أن الطريقة التي يُدار بها هذا النقاش وتبعاته أبعد ما تكون عن المسؤولية في مقاربة واحدةٍ من أكثر القضايا حساسية وخطورة في فضاء اجتماعي، كالمجتمع السعودي.
من الطبيعي أن تشعر أيّ مؤسسة دينية، أو مجتمعات مؤمنة، بالتهديد من فكرة انتشار الإلحاد وتزايد أعداد الملحدين. هذا يعني تآكل وجود هذه المؤسسة، وربما انقراضها، وتهديد النمط الاجتماعي بالتغيّر. لكن، بعد هذه النقطة تختلف المؤسسات والمجتمعات في طبيعة فهمها وإدارتها الموقف. هناك من يفهم المشكلة فشلاً للمؤسسة ورموزها في تقديم المشروع الديني وتجديد خطابه، وهناك من يعتقد أنها غلطة المجتمع وميلهُ الذاتيّ إلى الانحراف، والحل في قمع ضميره وتعبيره عن ذاته، وهناك من يعتقد أنها غلطة المجتمع، لكنها فرصة ممتازة للاستثمار، وهذه ذروة انعدام المسؤولية في سياسة المجتمع ورسم أطره الثقافية. التعابير عن الإلحاد موجودةٌ على الشبكات الاجتماعية، لكن الملحدين كأشخاصٍ غير مرئيّين، في الخفاء كالهواء، لا يعلنون عن أنفسهم لأسباب قانونية واجتماعية وشخصية. هذا الخوف من القانون والمجتمع يخلق حالة الإلحاد بلا وجه ولا اسم، الإلحاد الذي لا يمكن القبض عليه، ولا التشهير به، ولا محاكمته بتهمة الرّدة، ويخلق معضلة أمام الشيخ الذي يكافح الإلحاد، لكنه يحتاج لإعطاء الإلحاد وجهاً محدداً واسماً صريحاً، ليحاربه وينتصر عليه ويحمي المجتمع منه. يبدو أن هذا هو المحرّك لقضايا كثيرة ـ مُفتعلة ومضخمة، تُنقل ظلماً وعدواناً من كونها مسائل شخصية، وتُحوّل قسراً إلى قضية عامة، تمهيداً لاستثمارها سياسياً واجتماعياً. من يتمتّع بأيّ قدرٍ من الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع الذي يعيش فيه لا ينتهز الفرص لإدخال المجتمع في توتّرٍ ذي طبيعة مدمّرة وعدوانية حول قضايا بالغة الحساسية، كالإيمان والإلحاد. ولا يتعجّل تحويل موضوعاتٍ كهذه إلى مجال شقاقٍ اجتماعي في مجتمع مُتغيّر وقلق، أما من يشعر بواجبهِ حقاً في حماية طمأنينة الإيمان في قلوب الناس، فبالتأكيد، لن يُعامل جدل الإلحاد بالعنف الرمزي، عِوضاً عن فهم مصادره ومراجعة اختلالات المشروع الديني. في سبيل اختراع الملحدين يُتّهم أفرادٌ مُستضعفون ويسحقون بعنف غير مُبرر، ويتم تطبيع المجتمع على قوالب ومفاهيم مشوّهة حول الإيمان والرّدة وقضايا النشر وحرية التعبير والاعتقاد، ويصير هتك الأستار مقبولاً، وتصبح الوشاية فعلاً محموداً. لم يشفع لشخص مثل خالد الجديع أنهُ لم يحاول، على الإطلاق، تحويل هواجسه إلى مواد منشورة ومطروحة للتداول العام، وأنه احتفظ بها قلقاً شخصياً يُفضي به سراً. ولم يشفع لشخص مثل أشرف فياض وجود شُبهة كيدية في الدعوى، ولا الغموض الشديد في نصوصه القابلة للتأويل. في الطريق نحو اختراع الملحدين، تُسدّ جميع المنافذ إلى الخارج.
ربما، لا يعرف كثيرون أن واحداً من أكثر الكتب قراءة بين الشباب في السعودية هو “أقوم

“يعبث كثيرون في مجال مناقشة الإلحاد ومطاردة الملحدين لكن نتائج هذا العبث في غاية الجدّية”

قيلاً” الذي يقدّمه مؤلّفه الشاب (وقد صار اليوم نجماً اجتماعياً) إسهاماً ثقافياً في الرد على شبهات الملحدين. رواج الكتاب والاهتمام به يمكنه أن يكون مؤشراً لتصاعد مستويات القلق حول قضايا الإلحاد والإيمان بين القراء الشباب، والارتباك الذي تثيره التمظهرات الافتراضية لهذا النقاش، مثل هاشتاق #عقلانيون، كما حددت قارئة شابّة كانت تجيب على سؤالٍ عمّا يدفعها إلى الاهتمام بمثل هذا الكتاب، لكن الكتاب، بحدّ ذاته، يصلح للعرض نموذجاً للمحيط الثقافيّ الهشّ والمتهوّر الذي تجري فيه جدالات الإلحاد في الفضاء الاجتماعي السعودي، من المنافحين عن الإيمان ومن الملحدين، على حدٍ سواء. فالكتاب شديد الرواج والشعبية، شديد الركاكة والتناقض في طرائق جداله، ممتلئ بالمعلومات الخاطئة والمغالطات العلمية وضحالة التصورات. مثالاً، يعتقد المؤلف أن هوميروس هو من ابتكر الآلهة في المثيولوجيا اليونانية، وأن الذرة والإلكترونات من “الغيبيات” مثل الجنة والنار، و يؤكّد (بيقينٍ قاطع) انهيار النظرية التطورية لداروين، ويعجز عن وضع مقولة نيتشه “موت الإله” في أي سياق فلسفي أو اجتماعي، ولا يجد مجادلة للدفاع عن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام سوى الزيادة الإحصائية لأعداد النساء على الرجال. يوحي انتشار الكتاب في العامين الأخيرين بأن عموم نقاش الإيمان والإلحاد بين الشباب يحدث على أرضية ثقافية بهذه الركاكة والضعف، الذي يعكس ضعف التكوين الثقافي للشباب أساساً في المناهج والعلوم المدرسية. إذا كان المؤلـِّف نفسه بهذه الهشاشة الثقافية، فعلى أي حالٍ هم القراء الذين وجدوا في كتابه أجوبةً مُطمئنةً تشفي صدورهم؟ ما نوعية الملحدين الذين يمكن محاججتهم بهذا الكتاب؟ ما مدى جدّية الأسئلة المطروحة حول الإيمان والإلحاد والنقاش حولهما، إذا كان الجواب الرائج هو مثل هذا الكتاب؟ وما مدى جدية من يتصدّون لتقديم الأجوبة، إذا كانت أجوبتهم على هذه الحال من الركاكة والانعزال عن سياق الجدل العالمي حول الإيمان، والواقع الذي يمتحن هذا الإيمان يومياً، ومقترحات المفكرين الإسلاميين المتجددة لحماية هذا الإيمان؟ هل يشعر المؤلف الشاب بأيّ قدرٍ من المسؤولية تجاه من سيُسهم كتابٌ بهذه الركاكة في تصعيد فوضاهم الداخلية؟
يبدو أن كثيرين يعبثون في مجال مناقشة الإلحاد ومطاردة الملحدين، لكن نتائج هذا العبث في غاية الجدّية. أول من يدرك جديّة هذا العبث هم الذين تعرّضوا إلى تدمير حقيقي ودائم في حيواتهم الخاصة، لأنهم، في لحظةٍ عاثرةٍ، عوقبوا على الهاجس والشُّبهة والتأويل. المجتمع عُرضة لتخريب جدّي في تصوراته، مطاردة الملحدين تقولب التصورات عن المجتمع على أساس أن “المجتمع الطبيعي” هو المجتمع المؤمن كُلياً بينما التصوّر القرآني للمجتمع الطبيعي، يراهُ مجتمعاً تزداد فيه نسبة المؤمنين أو تنقص. وتقولب صورة عضو “المجتمع الطبيعي تامّ الإيمان” على أنه في حالةٍ من الثبات الإيماني، بينما الشكّ الديني حالة عابرة للأديان والثقافات، وقد يخوضها الإنسان نحو استعادة إيمانه مجدداً. تبرّر مطاردة الملحدين تهشيم الحدود بين الفضاءين، الخاصّ والعام، واستباحة الحيوات الخاصة، وتمنح مبرراً رائعاً ودعماً جماهيرياً للحظر على حرية التعبير، عندما يكتشف أغلب الناس الذين لا يستطيعون التعبير عن أفكارهم أنه مسموحٌ لهم أن يقولوا ما يشاءون حول الملحدين.