عبد الستار قاسم

تشكل سنة 2016 الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو التي عقدت بين الدولتين الاستعماريتين، بريطانيا وفرنسا، بتقسيم أرض الشام والعراق. مائة سنة مرت على الاتفاقية، وإذا كان لأجدادنا الذين حملوا بقوة ضدها، وأصرّوا على وحدة بلاد الشام، وقدموا التضحيات من أجل تحقيقها أن يقوموا الآن من بين الأموات، فإنهم سيرتدون على أعقابهم، وهم يرون أن الإقطاعيات التي جعلها الاستعمار دولاً قد تنازعت في ما بينها، ويرون الأحقاد والكراهية قد حلت بين الناس، بدل مشاعر المحبة والوئام والتواصل والتعاون، وهم يرون كيف انقسمت الإقطاعيات على نفسها، فلم نعد سوريين أو شاميين، وإنما أصبحنا مسلمين ومسيحيين وسنة وشيعة وعلويين ودروزا وشركس وأرمن وكاثوليك وأرثوذوكس وروما وموارنة، والحارة الشرقية والحارة الغربية. سيرون كيف أننا لم نحافظ حتى على ما قسمه لنا الاستعمار وفتتناه، ليتحول إلى جزر طائفية ومذهبية وعرقية متنازعة. وسيرون كيف أن إسرائيل أصبحت سيدة الموقف، وتخطب ودها أغلب الإقطاعيات العربية من المحيط إلى الخليج.


سايكس بيكو اتفاقية سيئة الصيت والسمعة، وأغلب الكتاب والمثقفين الذين يعرفون عنها يصفونها بصفاتٍ سيئةٍ، ويتحدثون عنها على اعتبار أنها المعول الاستعماري الذي عمل على تقسيم الأمة العربية والوطن العربي، والآلية الاستعمارية التي كانت تهدف، أساساً، إلى إقامة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين. يتحدث عرب كثيرون، حتى الآن، ضد هذه الاتفاقية، إلا الحكام العرب الذين، كما يبدو، يحمدون الاستعمار عليها، لأنها جعلتهم ملوكاً ورؤساء.
يكثر المتحدثون ضد اتفاقية سايكس بيكو، خصوصاً في هذا الوقت الذي يتهدد التقسيم فيه بلداناً عربية عديدة، وشعارهم يتردّد أن المفتت سيتفتت بالمزيد. الموقف النظري شيء والموقف العملي شيء آخر. في الواقع العملي، يبدو أن الجميع استسلموا لـ”سايكس بيكو”، والأغلب باتوا يدافعون عن الدولة القُطرية التي أفرزها هذا الاتفاق. لقد استسلمنا في كل من الأردن وسورية الصغرى ولبنان وفلسطين للهموم الخاصة بكل قطر، وساهمنا في صناعة ثقافةٍ محليةٍ منفصلةٍ عن ثقافة أهل الشام الجمعية. لقد تفرقنا إلى ثقافاتٍ متعددةٍ بهموم خاصة، وأخذ الغالبية الساحقة من الناس يتحوصلون ضمن أبعادهم القطرية الضيقة، ويدافعون عنها في وجه الآخر. لم تتوقف الأمور عند ثقافاتٍ خاصة، وإنما انتشرت مشاعر الكراهية والبغضاء بين شعوب

“يتجه العالم نحو التكتلات الكبيرة إلا العرب الذين يتجهون نحو الأجسام الصغيرة”

الإقطاعيات الشامية إلى درجة إشعال الفتن والحروب. بات اللبناني يكره السوري، ويضع السوري مآخذ كثيرة على اللبناني. وتولدت مشاعر تشنجية، غير مريحة، بين الأردنيين والفلسطينيين، إثر تطور المقاومة الفلسطينية في الأردن وما تبعها من حرب داخلية في سبتمبر/أيلول 1970، وتالياً، تم فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، والذي أنتج وحدة اجتماعية وثقافية واحدة، على الرغم من الخلافات السياسية التي بقيت بارزة.
القيادات السورية والأردنية قامت بترسيم الحدود بين البلدين، على اعتبار أن كلاً منهما تشكل وحدة سياسية مستقلة قائمة بذاتها، من دون النظر إلى اهتمام الشعبين الأردني والسوري. وهناك ضغوط كبيرة الآن من الدول الاستعمارية، ومن الأمم المتحدة، لترسيم الحدود بين لبنان وسورية. أما الحدود بين لبنان وفلسطين فقد تم ترسيمها من الأمم المتحدة، وأصبحت حدوداً معترفاً بها لإسرائيل على المستوى الدولي.
ماذا بعد؟ هل نستسلم تماما لـ”سايكس بيكو”، ونرضى بما هو موجود من كياناتٍ لا حول لها ولا قوة أمام الكيان الصهيوني، وتتنازعها مشكلات وهموم داخلية كثيرة، تجعلها عالة على الآخرين؟ إذا كنا قد تجاوزنا تقسيم أرض الشام، وعملنا الموبقات بعضنا ضد بعض، فإن هذا يعني أننا لم نكن نؤمن بالوحدة بداية، وأن أحاديثنا عن الوحدة لم تكن سوى أحاديث تسال، أو أحاديث شعارات في أحسن الأحوال. ينام البريطاني سايكس والفرنسي بيكو مرتاحيْن، وهما ينظران إلى تمزقنا وتخاصمنا، وإلى الفتن التي تشتعل بيننا. كان هناك الحزب القومي السوري الذي نظّر كثيراً من أجل الوحدة، وعلى الرغم من أنه ما زال قائماً كجسم، إلا أنه بلا روح ولا تأثير له على الأرض السورية الآن. فهل من الممكن أن نستدعي سايكس وبيكو مع الزمن، لنقيم لهما تمثاليْن، يخلدهما ويخلد أعمالهما ضدنا؟ محتمل أن نفعل ذلك. وما يجعلنا نقيم علاقاتٍ مع الصهاينة، ونعترف بدولتهم سيدفعنا مستقبلاً لتمجيد كل الذين اقترفوا الموبقات بحقنا.
لا مستقبل لعربي بدون الوحدة. الدول الكبيرة والقوية هي القادرة الآن على تطوير نفسها، والنهوض في مختلف مجالات الحياة. يتجه العالم نحو التكتلات الكبيرة، إلا العرب الذين يتجهون نحو الأجسام الصغيرة. حكام العرب يغامرون كثيراً بمستقبل الأمة وأجيالها، وهم يتحملون مسؤولية كبيرة في تغييب الوعي الوحدوي والعمل الجماعي على الساحة العربية ككل.