كمال عبد اللطيف

تعني نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول من كل سنة نهاية سنةٍ وبداية أخرى، والأمران معاً يقتضيان مني إنجاز تمرين في الكتابة يجمع بين الحدثين، أعتبره مزعجاً، وخصوصاً عندما يتكرّر سنة بعد أخرى.
ليس بإمكاننا أن نتخلَّص دائماً من التمارين المزعجة، بحكم أن بعضها يسعفنا بالاقتراب أكثر مما قد لا يكون مزعجاً بالدرجة نفسها، أو يتيح لنا إمكانية إنجاز عملٍ لم يكن في وسعنا إنجازه، لولا قبولنا الوفاء لتقليد تَعَوَّدْنَا عليه، مُكرهين أحياناً وراضين أخرى.


تتضاعف صعوبة هذا الأمر، عندما نمارسه كل سنة، على الرغم من بُعْد المسافة وتنوُّع الوقائع والأحداث. وقد أدركنا، في غمرة إنجازنا التمرين المذكور في سنوات سابقة، أن الأحداث في مجتمعنا تتشابه بصورة مُنَفِّرَة، وأن المعارك القائمة والمتواصلة داخل مجتمعنا وثقافتنا تَطُول وتتمدَّد بصورة مُمِلَّة، الأمر الذي يدفع الكاتب إلى تنويع زوايا المقاربة، وتنويع الأدوات المستعملة في التحليل، لاستبعاد التِّكرار أو التقليص على الأقل من كثافة تَوَاتُرِهِ.. وضمن هذا السياق، نشير إلى أن ما هو مزعج في الموضوع هو التاريخ وإشكالاته، والشأن السياسي وتحوُلاته، بحُكم أن إشكالات الثقافة والسياسة في مجتمعنا تُعَدُّ البؤرة الناظمة لتحوُّلات السياسة والتاريخ، وهما مربط الفرس في مختلف الخيارات التي ننخرط في الكتابة من أجل المساهمة في إضاءتها وتعقُّل جوانب من أبعادها.
يبدأ الإعداد والترتيب لكتابة المقالة بالاستماع إلى أبرز أسئلة التحوُّلات الجارية في مجتمعنا وثقافتنا، ثم يتم إنجاز ما نفترض أنه يُلاَمِس جملة من القضايا في الراهن العربي. نبني رأياً، وقد نَرْسُم الملامح الكبرى لموقفٍ، أو وجهة نظرٍ يختلط فيها التشخيص بالتحليل، ونستعين في عملية الإنجاز بالإشارة والتلميح.
نتجه في مقالة اليوم إلى إعادة التفكير مجدداً في موضوع الثورات العربية وتداعياتها المتواصلة، قصد مواجهة بعض المواقف والتحليلات.. فقد لاحظنا أن كتاباتٍ كثيرة اعتنت بتقييم محصلة السنوات الخمس المنصرمة من عمر انفجارات 2011 المُدَوِّيَة، انخرطت في بكائياتٍ تشكِّك في الفتوحات والآفاق التي بناها الحراك الاجتماعي المذكور في ساحاتٍ عربيةٍ كثيرة. كما اتجه بعضها الآخر إلى إبراز أوجه المؤامرة المُدَبَّرة، مُغفلاً أن المؤامرات تحصل في التاريخ بتواطؤ أطراف محدَّدة، وهي، قبل ذلك وبعده، تُعَدُّ جزءاً من آليات الصراع القائمة في التاريخ.
يبدو لي أن هذا النوع من المواقف يُغْفِل بعض الأوجه القوية المواكبة لما حصل، إنه يُغْفِل،

“ينبغي الحرص على بناء خياراتٍ مرحليةٍ، تكون من بينها حماية التحوُّل الديمقراطي”

أولاً، أن الفعل الثوري، في صُوره المبدعة في كل من تونس ومصر واليمن، قَدَّمَ، وما فَتِئَ يقدِّم، نموذجاً لفعل تاريخي مَطلوب ومَرغوب فيه. إنه الثمرة الموضوعية لسنوات طويلة من الاستبداد والفساد وانسداد الآفاق. ثم إنه، قبل ذلك، حدثٌ لا يقبل، في الوقت الراهن على الأقل، أن نقيسه على أحداث مماثلة لبعض أوجهه في أزمنة وأمكنة أخرى. ففي التاريخ، تتقاطع الأحداث وتتشابه مع ما يماثلها في جوانب منها، في أزمنة وأمكنة أخرى، إلا أنه يصعب علينا الحديث عن المماثلة والتطابق، كما تصعب علينا بلورة قواعد وقوانين..
ازددت تأكداً، في السنوات الخمس التي انصرمت، بأهمية الرَّجَّة العنيفة الحاصلة في مجتمعاتٍ عربيةٍ كثيرة، كما ازددت تأكداً من أن خمس سنوات من عمر أحداث مماثلة لما حصل في مجتمعاتنا لا تكفي لتحقيق ما كنا وما زلنا نتطلَّع إليه من أهداف، مع بدايات انفجارات الربيع الديمقراطي العربي، وتطلُّعاته الرامية إلى كسر شوكة الاستبداد والفساد في مجتمعنا.
لم تهدأ رياح ومخاضات وتداعيات الانفجارات التي ملأت ساحات عربية متعدِّدة منذ خمس سنوات. عرفت لحظات هدوء، وولجت أبواباً بلا مخارج مفتوحة، سقط الضحايا هنا وهناك، نشأت القوى المضادة، وانخرطت المجتمعات والأنظمة العربية والإقليمية والدولية، في المساعي الرامية إلى تركيب التَّوَافُقات الممكنة.
لا يبدو أن بناء هذه التوافقات يُعَدُّ أمراً سهلاً، إنه يتطلَّب تضحيات عديدة، وتخترقه أزمات ومآزق، تصنع بدورها منعطفاتٍ في مسارات التحوُّل الجارية وآفاقها.. ليظل الحدث الصانع مجمل ما سبق ذكره، خطوة قوية في مسلسل تحديث مجتمعاتنا.
نعتقد أن ما هو مطلوب منا اليوم، وقد انخرطنا في طريق مجابهة معضلات جديدة في مجتمعنا بآليات نُجَرِّبُها ونُطَوِّرُها، لنصنع من تحوُّلات الحاضر أفقاً للعمل بتطلُّعات واضحة. وضمن هذا الأفق، يمكن أن نضع أمامنا برنامجاً يستوعب ثلاثة خيارات متشابهة، ومرتبطة ببعضها. يتعلق الأمر بمواصلة نقد الاستبداد والفساد، سواء في أشكاله القديمة أو صوَره الناشئة مُجَدَّداً أو المستعادة، وفي ضوء التجاذُبات الحاصلة بعد الانفجارات. وبجوار ذلك، ينبغي الحرص على بناء خياراتٍ مرحليةٍ، تكون من بينها حماية التحوُّل الديمقراطي، ومواصلة توطين خيارات التَّحديث، وذلك بتعميم ثقافة العقل والتاريخ، ثقافة الانفتاح والتواصل.