محمد جهاد نيعو (سورية)

عندما تشاهد القنوات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعية، والضجة الإعلامية التي أحدثتها مشاركة وعدم مشاركة هذا الطرف أو ذاك في المفاوضات في جنيف، تشعر بأن المشهد السوري بات مهيأ لحل سياسي، يخرج البلد من الحرب الدائرة هناك، وكأن النظام وحلفاءه قد توقفوا عن ارتكاب المجازر التي تحصل يومياً بحق الشعب الثائر!


يبقى المشهد، من وجهة نظر الشعب السوري الذي يعتبر أن دول الغرب تعمل، بوضوح، على الالتفاف على ثورته، وتحول قضية الشعب الذي ثار على نظام قاتل إلى قضية حرب أهلية في البلاد، وأن هذه المفاوضات، وإن أثمرت بالتوصل إلى تشكيل حكومة انتقالية في سورية، تكون قد أسقطت كل الجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، ليبدو المشهد وكأن غرض هذه المفاوضات المساواة بين المجرم والضحية.
غير أن الحديث اليوم عن إمكانية إيجاد حل سياسي في سورية، في ظل التصعيد العسكري من النظام والقوات الموالية له، أمر شبه مستحيل، وتبين طريقة تعاطي الروس مع هذه المفاوضات نيتهم التوجه إلى فرض حل يتناسب مع مصالحهم التي تهدف إلى بسط سيطرتهم على مراكز القرار والمناطق الحيوية في سورية، ففي وقت يتم فيه الحديث عن مفاوضات سياسية من أجل البحث عن مخرج آمن للأزمة السورية، زار وزير دفاع النظام السوري موسكو، لبحث استمرار العملية العسكرية الروسية في سورية، وكيفية التنسيق معاً، وإن كانت هذه الزيارة تدل على شيء، فإنّما تدل على رغبة النظام السوري وحلفائه الروس في محاولة كسب انتصارات على الأرض، لكي يكون التقدم العسكري ورقة ضغط في المفاوضات السياسية.
ما يريده الروس من وفد المعارضة السورية هو التوجه إلى طاولة التفاوض، من دون أي مطلب، والتنازل الكامل عن أهداف الثورة الأولى التي خرج فيها الشعب السوري على الظلم، ومن أجل نيل حريته، وقدم في سبيلها آلاف الشهداء والمعتقلين والمفقودين.
ذهاب وفد من النظام للمشاركة في محادثات السلام من دون تنفيذ مطالب المعارضة السورية، مثل إخراج المعتقلين السياسيين والكشف السريع عن المفقودين في سجون النظام، والعمل الفوري على إيقاف الحملات العسكرية وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، يبيّن نية النظام، ومن خلفه الروس، على توظيف هذه المحادثات، من أجل تشتيت المعارضة المسلحة، وكسب مزيد من الوقت، لمحاولة الحسم العسكري على الأرض، مع استمرار محاصرة المدن السورية، وتركها تعيش في ظل مأساة إنسانية كبيرة بسبب قطع الغذاء والدواء عنها.
منع السلاح النوعي، والذي من شأنه تغيير المعادلة العسكرية على الأرض عن كتائب الجيش الحر التي تصنف “بالمعتدلة” هو بمثابة إعطاء ضوء أخطر، وفسح مجال أمام الانتهاكات التي يقوم فيها الطيرانان، الروسي والسوري، في قصف المدن والبلدات السورية، وكأن الموقف الغربي من الصراع في سورية هو فقط العمل على تعديل موازين القوى، لتصبح “لا غالب ولا مغلوب”، من أجل إطالة هذه الكارثة الإنسانية.