أسامة اللواتي (تونس)

تمر تونس، منذ الثورة، بجملة تحولات في مسار بناء ديمقراطيتها الوليدة، يمكن اعتبارها معالم لجمهوريتها الثانية، حيث شهدت كل أركان الدولة، بفضاءاتها السياسية والمجتمعية والثقافية وغيرها، نقلة على مستوى استيعاب المفاهيم الجديدة المرتبطة بالحالة الثورية، وما جاءت به من مطالب ومتغيرات، وكذلك نقلة على مستوى ترتيب العلاقة بين مؤسسات الدولة، ةبما تحتمله مرحلة البناء الديمقراطي من لاعبين جدد غير الذي عهدته تونس ما قبل 14 يناير/كانون ثاني 2011. ولا شك أن ما عاشته تونس قبل الثورة من حالة استقرار أمني-مؤسساتي، أفرز عقداً اجتماعياً موهوماً بحكم قوة السلطة، وغياب المرتكزات الطبيعية الممثلة لهذا العقد.


واليوم، مع ما يشهده المشهد الوطني من بروز فاعلين جدد، يمكن الحديث عن مرتكزاتٍ جديدة، تدفع إلى بناء عقد اجتماعي يعبر عن الحاجة له، في ظل صعوبة المرحلة الانتقالية، ومتطلبات “فرض” حالة استقرار مجتمعي طويلة الأمد، تحتوي الاضطرابات الطبيعية في سياقها والخطيرة على مستقبل تونس، وعلى التجربة الديمقراطية عموما.
ربط العقد الاجتماعي بحالة “الاستقرار” الوطني، على المستويات، السياسي والاقتصادي والإجتماعي، قد يكون مطلباً مرحلياً، يجب أن يتطور فعله ومداه، لإيجاد صيغة استقرار مجتمعي، تحتوي فقدان الأمل الذي يعيشه التونسي، وارتباكه في فهم واقعه، لتنقله لصورة الواعي بالمسار العام للبلاد، وتحقق لديه الشعور بأمن مستقبله وأبنائه، وهو ما يدعوه إلى أن يكون ركناً في مسار إنجاح العقد الاجتماعي المطلوب. وإن تحقيق شعور الإطمئنان على المستقبل هو تحقيق للمنجز الاقتصادي القوي بحاضنته السياسية المبنية على توافق المرحلة، في ظل التزام مجتمعي، تتجاوز فيه التطلعات رهانات اللحظة ومقتضياتها.
اليوم، أولى خطوات بناء العقد الاجتماعي تقدير الوضعية الخاصة التي تمر بها البلاد، فبعد تعرية حالة التهدئة الاجتماعية قبل الثورة وزيف الصورة التسويقية للنظام البائد، ومع تواتر الأزمات السياسية للسنوات الثلاث الأخيرة، وتدهور الوضع الاقتصادي وحتى أزمات المنطقة، أصبح من الضروري تقدير حرج الظرف الذي تعيشه تونس، في خضم سياق ثوري، زاد الرهان على التجربة التونسية نموذجاً حقق مقادير كبيرة من النجاح، في مسار إرساء الدولة الديمقراطية، وكل الانتظارات اليوم على ما سيحققه العقل التونسي من نجاح اقتصادي اجتماعي هو جوهر وخلاصة ثورةٍ من مطالبها الأساسية تحقيق العيش الكريم، من دون أن نتجاوز قيمة ما تحقق من إنجاز على مستوى الحريات وإرساء لتقاليد ديمقراطية تفتقدها المنطقة، وهو بلا شك حاضنة، أي انتقال لتحقيق الرفاه المجتمعي. ويدعونا تقدير الوضع القائم في البلاد إلى بناء على أسس تهدئة اجتماعية، تتوافق فيه الأطراف الرئيسية في البلاد على تحمل أعباء مرحلة الانتقال الديمقراطي، وتبعات الوضع القائم، ويمكن البدء بالعقد السياسي القائم المبني على خيار التوافق، والذي في حاجة إلى مزيد من تدعيم مخرجاته، وتوسيعها حتى تكون حالة توافق تحتضن كبرى الخيارات الوطنية، ولعل تقييم سنوات تجربة التوافق، تدعونا إلى تصوّر خيارات سياسية أخرى تبني “عقد شراكة” بين القوى السياسية الكبرى بإمكانها أن تعزز شعور المسؤولية في تحمل أعباء الحكم، ومجمل رهاناته. ولا شك أن العقد السياسي المتّخذ يقتضي تجاوز جملة من الخلافات الهووية التي استوعبها الدستور الجديد، وهي أصلا ليست حاجة المرحلة التي وجب ضمورها، لصالح ما يجمع التونسيين ويوحد بوصلتهم.
ترتيب أولويات المرحلة مسؤولية جماعية، تعبر عنها النخبة السياسية، لتلعب فيها قوى المجتمع المدني دوراً في تحديدها وممارسة الضغط الإيجابي على السلطة، للإشتغال عليها وتوسيع التفكير فيها. من هنا، يكون دور المجتمع المدني الذي كان ولا يزال لاعباً أساسياً في المراحل التاريخية الكبرى للبلاد التونسية، وما لعبه، في السنوات الماضية، وما فرضه على النخبة السياسية من موجبات الحوار، والخروج بتوافقات خير دليل على قوته وقدرته، على أن لا يتجاوز دوره الوطني حدود الفعل والتأثير على المشهد السياسي، حتى لا يكون “هجينا” عن الملامح الطبيعية له.
يبقى السؤال المطروح: وفق أي تصور نبني عقدنا الاجتماعي؟ وكيف لكل الأطراف الفاعلة في البلاد لعب دور تحقيق غايات العقد الاجتماعي؟
يمكن القول إن تقدير واقع المرحلة وتداعياتها المستقبلية يثبت أن رهان البلاد اليوم هو إيجاد مشروع اقتصادي تنموي يرسم تصوراً واضحاً لخياراته وآفاقه، وسبل إنجاحه، ويحقق الاطمئنان للمؤسسات والمانحين الدوليين، وكذلك التونسيين على تجربتهم الديمقراطية أولاً، وعلى مستقبلهم، ولا شك أن المشروع المنشود هو مشروع “دولة”، ترعاه بمعيّة الفاعلين السياسيين والمنظمات الرئيسية في البلاد، يتحقق حوله إجماعٌ تفرض المسؤولية على الجميع للإشتغال عليه وحمايته، والأكيد الصبر على تحقيقه، ونجاح هذا المشروع منوط باستشعار التونسيين المسؤولية الملقاة عليهم ودورهم في إنجاحه.
بالطبع، يتطلب الاتفاق حول الخيارات الكبرى للعقد الاجتماعي حاضنة تسهر على ذلك، وتدير حواراً “مستمراً” يفضي إلى إجماع كل الأطراف الوطنية من أحزاب الدولة ومنظماتها ومؤسساتها. وقد تستحضرنا تجربة الحوار الوطني والنجاح الذي حققته للخروج من الأزمة السياسية سنة 2013، وإن كان الوضع غير ذلك الوضع باختلاف الظروف والحيثيات، ففي الوسع النسج على منوالها، وحتى بعث مؤسسة قائمة بذاتها، ترعى ذلك بعيدا عن الضغوط السياسية الراهنة.
حاجة تونس اليوم لتحقيق سلم اجتماعي رهين انخراطها بكل الفاعلين فيها في “مشروع وطني”، يحقق الإجماع حوله، يتحملون فيه المسؤولية ويتقاسمون أعباءه. والاتفاق حول خيار اقتصادي تنموي واضح المعالم في إطار عقد اجتماعي كفيل بتحقيق النقلة النوعية المنشودة ويستجيب لانتظارات التونسيين ورهانهم على ثورتهم وتجربتهم الديمقراطية. –