أصبح مصطلح «احتواء» الشباب أحد عناوين الأسبوع فى مصر بعدما دخل الرئيس عبدالفتاح السيسى على الخط متبنيا الفكرة ومحبذا لها والحق أن كلام الرئيس بعد أزمة الهتافات الغاضبة التى رددها شباب «أولتراس الأهلى» فى ذكرى مذبحة ستاد بورسعيد، جاء معبرا عن الكثير من المعانى الإيجابية التى تستحق الحفاوة والتقدير. ذلك أن الموضوع واسع ومتشعب لأن كلمة الاحتواء بحاجة إلى تحرير كما أن مسألة الشباب تحتاج بدورها إلى ضبط وتحديد. لذلك أزعم أن الموضوع يتطلب إجراء مناقشة جادة، تتناول الملف من مختلف جوانبه.


فما أفهمه أن الاحتواء يقصد به استرضاء الشباب وكسبهم وتعزيز ثقتهم فى الحاضر والمستقبل. وهذه الفكرة إذا أردنا تنزيلها على أرض الواقع فسوف تبرز أمامنا ثلاثة أسئلة: الأول يتعلق بتعريف الشباب الذى توجه إليه الرسالة، ما هى أعمارهم وفئاتهم ومجالاتهم؟ السؤال الثانى هو: ما المقصود بالاحتواء وكيف يتم؟ أما السؤال الثالث الأكثر أهمية فهو: هل يمكن أن يتم استرضاء الشباب بمعزل عن الفئات العمرية الأخرى من المجتمع، وكيف تستطيع السلطة أن تخصهم دون غيرهم بالرعاية التى تحقق الاحتواء المنشود؟


إننا إذا اعتمدنا المعيار الذى تتبناه الأمم المتحدة الذى يصنف ضمن الشباب أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٢٤ سنة (ما بين سن العاشرة و١٥ سنة يعدون مراهقين)، فسنجد أننا إزاء كتلة بشرية تضم ثلث سكان مصر، أى نحو ٣٠ مليون شخص. وهم خليط من العمال الصناعيين والزراعيين والطلاب والخريجين. ولا أظن أن الحديث عن الرعاية يستهدف هؤلاء جميعا. وأغلب الظن أنه يخاطب شباب الجامعات وخريجيها الأعلى صوتا والأقوى حضورا. رغم أن الآخرين ينبغى أن تشملهم جهود الرعاية. فهم ضمن الفئات الأكثر معاناة من اليأس وتواضع الأحلام وهى التى تغامر بالهجرة إلى الخارج والتعرض للموت أملا فى العثور على فرص أفضل للعيش.


إزاء ذلك فلعلى لا أبالغ كثيرا إذا قلت إن الخطاب موجه إلى أولئك الجامعيين الذين يتظاهرون ويعتصمون وقد يلتحق بعضهم بمجموعات النشطاء وبالمنظمات المتطرفة. ومنهم عناصر الأولتراس، كما أن منهم أعدادا محتجزة فى السجون.
أما أسلوب الاحتواء الذى أفهمه بحسبانه نهجا للتودد والاسترضاء. فيفترض أنه يستهدف تعزيز الثقة وإحياء الأمل لدى الشباب من خلال الحفاظ على كرامتهم واحتمال انفعالاتهم، فضلا عن طمأنتهم إلى مستقبلهم من خلال توفير فرص العمل لهم أو إقناعهم بأن تلك الفرصة ستتوافر لهم يوما ما. إلا أننى أزعم أن الاحتواء بهذا المفهوم يتعذر تحقيقه فى الأجواء الراهنة، التى تسود فيها العقلية الأمنية التى تفهمه باعتباره تجنيدا من قبل الأجهزة الأمنية وحشدا لهم فى صفوف الموالاة.


لا مبالغة فى هذا الذى أدعيه لأن بين أيدينا تجربة حية تشهد به وتؤيده. فنحن إذا تذكرنا أن الرئيس السيسى أعلن قبل حلول الذكرى الخامسة لثورة ٢٥ يناير أن العام الجديد سيكون عام الشباب. ودققنا جيدا فيما حدث على أرض الواقع بعد ذلك، فسنفاجأ بأن الممارسات كانت على النقيض مما أعلنه. ذلك أن حملات اعتقال الشباب استمرت طول الوقت لتخويف أو تأديب الذين فكروا فى التظاهر مع حلول المناسبة. كما تم إبطال انتخابات اتحاد الطلاب لأن التصويت لم يكن لصالح مرشحى الأجهزة الأمنية. وأخيرا تم التحقيق مع بعض شباب مدينة المحلة الكبرى الذين تجمعوا لزيارة معرض القاهرة للكتاب.. إلى غير ذلك من الشواهد الدالة على أن الرسالة التى وجهها الرئيس فى واد والممارسات التى تمت على أرض الواقع كانت فى واد آخر.


إن العقل السياسى أو التفكير الأمنى الذى يحاول احتواء الشباب من خلال إغوائهم بفرص العمل وبالمناصب القيادية يتعامل مع محيط هائل من البشر يتعذر توفير مثل هذه الفرص لهم. والأهم من ذلك أن ذلك النهج لا يبالى كثيرا بالحفاظ على كرامة هؤلاء الشباب أو التسامح معهم. فآلة البطش التى تلاحقهم تنسف فكرة الاحتواء وتحولها إلى شعار فى الفضاء لا مجال لتنزيله على الأرض.


السؤال الثالث والأخير يلفت الانتباه إلى تعذر استرضاء الشباب بمعزل عن محيطهم الاجتماعى والأسرى. وهو يستدعى إلى الواجهة أولوية استرضاء المجتمع وإشعار مكوناته بالاطمئنان والثقة فى الحاضر والأمل فى المستقبل. وأحسب أن تلك هى المعادلة الصعبة التى لم تتحقق فى مصر حتى الآن. وقد اعتبرت السؤال الأكثر أهمية لأنه يثير قضية الحاجة الملحة إلى استعادة مناخ الحرية وقيم التسامح والديمقراطية، التى تشكل المفتاح الأساسى لاحترام التعددية وإشاعة الرضى والتفاؤل بين الناس.


إننى أخشى فى ظل استمرار التناقض بين الأقوال والأفعال، أن يصبح الاحتواء قضية لغوية تدغدغ المشاعر فى خطب المناسبات وأحاديثها، فى حين يظل الواقع كما هو عليه مسكونا بالتوتر والترقب والخوف.