فى اعتقادى أن موضوع التنمية الإنسانية الشاملة للمجتمعات العربية لا يحصل على الاهتمام اليومى الدائم فى أغلب وسائل الإعلام والتواصل العربية وفى كل المنابر الحكومية والتشريعية. فالتركيز الكبير يقتصر على ضرورة النمو فى الاقتصاد وعلى ضرورة التوجه نحو مزيد من الديموقراطية فى السياسة.
هذا بينما أن كلا الأمرين، النمو الاقتصادى والممارسة الديموقراطية، هما جزءان فقط مُما يعرف بالتنمية الإنسانية التى لا تقف عند تحقيق هذين الأمرين وإنُما تتعداها لتشمل قضايا التعليم والعمالة والبيئة الطبيعية والبيئة الثقافية ومختلف العلاقات الاجتماعية وتفعيل القيم الإنسانية السامية، أى أنها تتوجه نحو تمكين الفرد ماديا ومعنويا ليعيش بكرامة وحرية ونحو تمكين المجتمع ليصبح سيد نفسه وليحمل مسئوليات قدره.
منذ سنة 2002 وتقارير التنمية الإنسانية العربية، تصدر تباعا وتشير إلى وجود نقاط ضعف مأساوية فى الحياة العربية، لكنها تحظى بترحيب ونقاش محدود حين صدورها، ثم لا تلبث حتى يطويها النسيان. ولذلك فإن محتوياتها وتوصياتها وما تشير إليه من أخطار وكوارث قادمة لا تترسخ فى العقل الفردى والجماعى لتصبح جزءا أصيلا راسخا مثيرا للقلق والهلع فى جدول أعمال الحياة اليومية للمجتمعات العربية.
من هنا الأهمية القصوى لجعل موضوع التنمية الإنسانية العربية، بكل أجزائه وتفاصيله، فصلا بارزا فى الثقافة السياسية للإنسان العربى.
وعندما يزداد وعى الإنسان العربى وتشتد حساسيته تجاه موضوع التنمية الإنسانية، كأمر وجودى وأخلاقى يمسٌ حاضره ومستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده، سيطرح على نفسه السؤال الهام: «من المسئول عن فشل التنمية الإنسانية فى أرض العرب؟»، وعند ذاك سيكتشف هذا الإنسان أن جواب ذلك السؤال، سيشير إلى كل أعداء ومناهضى تقدمه ونهوضه من تخلٌف تاريخى يرزح تحته.
وسيكتشف أن الأسباب داخلية وخارجية تتفاعل مع بعضها وتتعاضد فى أشكال سمسرة وزبونية وفساد ونهب واحتكار للسلطة وتبادل للمنافع.
***
دعنا من ذكر الأسباب الداخلية فقد كتب عنها الكثير، وقد نعود إليها. وسنكتفى اليوم بتسليط الضوء على عاملين خارجيين يساهمان فى إفشال التنمية الإنسانية العربية، ويحتاج الإنسان العربى أن يعى بعمق أهميتهما.
العامل الأول الإيجابى، والذى يستطيع أن يلعب دورا هاما فى كل محاولة للتنمية على المستوى الوطنى، هو الترابط التنموى العربى، بدءا بالتكامل الاقتصادى والسوق العربية المشتركة وانتهاء بوحدة اقتصادية على المدى البعيد. يكفى أن نذكر بأن تواجد كتلة اقتصادية تكاملية عربية سيكون مدخلا لوجود سوق كبيرة آمنة لكل نتاج عربى على المستوى الوطنى، ومدخلا لقيام صناعات أساسية وهندسية وعسكرية وزراعية كبرى على المستوى الوطنى، ومدخلا لإجراء البحوث المعرفية وللتطوير التكنولوجى الضرورى للإنماء الاقتصادى، ومدخلا للتفاوض الاقتصادى والتكنولوجى مع الكتل الاقتصادية الأخرى.
فإذا أضيف إلى ذلك أن الأمن العسكرى والغذائى والمائى والوقوف فى وجه الخطر الصهيونى والتدخلات الخارجية الضاغطة المتآمرة على المستوى الوطنى سيحتاج إلى رافد قومى يعينه ويقويه أدركنا الأهمية القصوى للترابط العضوى بين كل مشاريع التنمية الإنسانية فى كل الأقطار العربية، وأن غياب ذلك الترابط يساهم بصور مباشرة أو غير مباشرة فى إفشال التنمية الإنسانية الوطنية.
أما العامل الثانى، وهو سلبى فى كثير من جوانبه، فهو مؤثرات العولمة السلبية على التنمية العربية على المستويين الوطنى والقومى، وبالتالى إفشالهما.
ذلك أنه، بالرغم من كل الخطابات الدعائية الرنانة المادحة للعولمة، إلا أن للعولمة جوانب سلبية تحتاج أيضا إلى مواجهة على المستويين الوطنى والقومى.
***
إن إصرار القوى الفاعلة الضاغطة فى المسرح الدولى العولمى على الإزالة الكاملة للأسوار الجمركية الضرورية أحيانا لحماية المشاريع الصناعية والخدمية الوليدة، واحتقارها للتخطيط المركزى للتنمية الوطنية، وإيمانها الجنونى بقدرة حرية الأسواق ونظامها التنافسى على حل كل القضايا الاقتصادية والاجتماعية والفردية، ودفعها بقوة لتتخلى الدولة عن مسئولياتها فى الرعاية الاجتماعية وعلى الأخص للفقراء والمهمشين ووضع تلك المسئولية فى يد القطاع الخاص، ونشرها بكل الوسائل الإعلامية والإعلانية لثقافة الاستهلاك المادى النهم المجنون والابتعاد عن أى ادخار أو توازن حياتى أو تقشف معيشى وذلك من خلال بناء إنسان فردى مبالغ فى استقلاليته الفردية وفى عدم التزامه بالروابط والضوابط العائلية والاجتماعية والوطنية، ورعايتها لكل الاتفاقيات الدولية المفروضة التى تحيل العالم كله إلى ساحة ترتع فى جوانبها بحرية كاملة الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للحدود وذلك على حساب كل ما هو محلى ووليد. إن كل ذلك لا يمكن أن يصُب فى صالح التنمية الإنسانية الوطنية ولا فى صالح التنمية الإنسانية القومية. لكن مقاومة تلك الجوانب السلبية، الكامنة فى النظام الرأسمالى العولمى المتوحش الذى يقود العولمة، لا يمكن مقاومته إذا لم يواجه على مستوى تكتُل عربى كبير. ولكن ذلك قد أصبح من شبه المستحيلات فى هذا الجحيم الذى تعيشه أمة العرب من جراء المؤامرات الخارجية وتنامى الهمجية التكفيرية من قبل القاعدة الأم وفراخها وارتكاب أخطاء فادحة من قبل أشكال من الأنظمة التسلطية الفاسدة.
التنمية الإنسانية العربية فى محنة والتعامل مع مفشليها يحتاج أن يكون فى قمَة جدول أعمال الحياة السياسية العربية.

مفكر عربى من البحرين