في الشهر السادس من العام 1882 ولد “محمد ميرزا هداية الله خان بختیاري” الذي كاد أن يغير تاريخ بلاد فارس إلى الأبد…
ولد الطفل محمد لعائلة مرموقة، فوالدته “شاهزادي مليكة تاج خانوم” هي حفيدة “فتح علي شاه”، شاه بلاد فارس وثاني سلاطين السلالة القاجارية، وعندما تولى عمه منصب جابي الضرائب لمحافظة خراسان، استحق لقب “مصدق” السلطاني، وبالتالي حصل محمد على نفس اللقب الذي لقب به عمه، واستمر معروفا به حتى بعد إلغاء الألقاب لفترة طويلة، ونال مصدق درجة البكالوريوس في الفنون ثم الماجستير في القانون الدولي من معهد الدراسات السياسية بباريس، قبل أن ينال الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة نيوشاتيل في سويسرا.

وبدأ مصدق حياته السياسية مع الثورة الدستورية 1905-1907، فقد انتخب عام 1906 نائبًا عن أصفهان في البرلمان الجديد الذي سمي “مجلس إيران” وهو في سن الرابعة والعشرين، وفي عام 1919 رحل إلى سويسرا احتجاجًا على معاهدة “أنجلو فارسية”، إلا أنه عاد في العام التالي بعد استلامه دعوة من رئيس وزراء إيران الجديد “حسن بیرنیا” كي يصبح وزيرًا للعدل، ثم عين وزيرًا للمالية في حكومة أحمد قوام عام 1921، فوزيرًا للخارجية في حكومة مشير الدولة في يونيو 1923، بعدها من نفس السنة صار حاكمًا لمقاطعة أذربيجان، ثم أعيد انتخابه في المجلس في 1923.

في عام 1925 اقترح أنصار رئيس الوزراء “رضا بهلوي” في المجلس، إصدار تشريع يحل به حكم سلالة آل قاجار وتعيين رضا بهلوي شاهًا جديدًا لإيران، إلا أن مصدق صوّت ضد تلك الخطوة معتبرًا أن هذا الفعل هو انقلاب على الدستور الإيراني، مظهرًا ميوله المعادية للعسكر والعسكرة، وألقى كلمة في المجلس مشيدا بإنجازات رضا بهلوي باعتباره رجل دولة وشجعه على احترام الدستور باعتباره رئيسًا للوزراء، إلا أنه في 12 ديسمبر 1925 خلع المجلس الملك الشاب أحمد شاه قاجار ثم أعلن رضا شاه عاهلا جديدًا لبلاد فارس وأول ملوك الأسرة البهلوية.

في العام 1941، ونتيجة لميوله ناحية النازية، وخوفًا من إمداد هتلر بالنفط الإيراني، أجبر البريطانيون رضا شاه بهلوي على التنحي عن العرش لابنه الشاب محمد رضا بهلوي، وفي سنة 1944 أعيد انتخاب مصدق مرة أخرى للبرلمان، وأسس حزب “الجبهة الوطنية” الملقبة بجبهة “ملي إيران”، مع تسعة عشر عضوًا آخر منهم الدكتور “حسين فاطمي” و”أحمد زراك زاده” و”علي شاكان” و”كريم سنجابي”، وتولى قيادته.

كان الحزب يهدف إلى إرساء الديمقراطية وإنهاء الوجود الأجنبي في السياسة الإيرانية، وتأميم النفط الإيراني المتمثل في شركة النفط الأنجلو-إيرانية AIOC، بسبب تنامي الوعي الشعبي، الذي جعل من تأميم النفط هدفًا لشريحة واسعة من الشعب الإيراني، فقد كانت شركة النفط الأنجلو- إيرانية تقوم باستخراج البترول لتصديره إلى بريطانيا، وترفض تقديم 50٪ أرباحًا للصفقة كما تفعل شركة أرامكو في السعودية، فقاد ممثلو حزب “الجبهة الوطنية” حملة ضخمة في البرلمان للموافقة على مشروع التأميم الشامل للنفط، وصار التأميم قاب قوسين أو أدنى.

لكن في 3 مارس 1951 مثُل الجنرال “حاجي علي رزمارا” رئيس الوزراء أمام المجلس في محاولة لإقناع النواب ضد قرار التأميم الكامل على أساس “أن إيران لا يمكن تجاوز التزاماتها الدولية، وبسبب قلة قدرتها على تشغيل صناعة النفط من تلقاء نفسها”، إلا أنه اغتيل بعدها بأربعة أيام أثناء صلاته في المسجد على يد “خلیل طهماسبي” عضو جماعة “فدائیان إسلام” المتشددة، وبعد فشل مفاوضات رفع سقف الحقوق النفطية التي تمت في 15 و20 مارس 1951، صوت كل من مجلس الشورى الوطني ومجلس شيوخ الإمبراطورية الإيرانية بتأميم شركة AIOC المملوكة لبريطانيا، لكن دون تحديد موعد محدد لتنفيذ القرار، وفي أوائل أبريل 1951 نظم حزب “توده” اليساري الإيراني إضرابات وأعمال شغب في أنحاء البلاد احتجاجًا على التأخير في تأميم صناعة النفط، بالإضافة إلى انخفاض الأجور وسوء ظروف السكن لعمال النفط.

ونتيجة لارتفاع شعبيته، انتخب مجلس شيوخ الإمبراطورية الإيرانية في 28 أبريل 1951 محمد مصدق رئيسًا للوزراء بأغلبية 79 صوتًا مقابل 12 فقط من الرافضين، واضطر الشاه الشاب محمد رضا لتعيينه في هذا المنصب بعد ارتفاع شعبيته وقوته السياسية. جاء مصدق إلى الحكومة الإيرانية قائدًا لثورة مدنية حقيقية، ولم يكن مدبرًا لانقلاب يضع النياشين والرتب والأوسمة على بزته العسكرية، كان الوحيد تقريبًا في إيران الذي يحظى باحترام من جميع الأطياف السياسية، اليمينية واليسارية، وظهرت صورته على غلاف مجلة التايم الأمريكية عام 1951 كشخصية العام بعد منافسة مع دوايت أيزنهاور.

وفور استلامه المنصب، أدخل مصدق وإدارته الجديدة مجموعة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية؛ فقد بدأ توزيع بدلات بطالة، وأمر أصحاب المصانع بدفع مساعدات للعمال المرضى والمصابين، وتحرير الفلاحة والسخرة في المزارع، ووضع 20% من أموال إيجارات الأراضي لتمويل مشروعات التنمية مثل بناء حمامات عامة وإسكان الريف ومكافحة الأمراض، وفي 1 مايو أي بعد يومين من استلامه السلطة قام مصدق بتأميم النفط الإيراني وألغى الامتياز الممنوح لشركة النفط الإيراني البريطاني الذي ينتهي سنة 1993 وقام بمصادرة أصولها، وقد شرح مصدق سياسة التأميم في خطابه الشهير في 21 مايو 1951، والذي قال فيه “عندما نقضي على قوة تلك الشركة البريطانية، فإننا نقضي على الفساد والتآمر الذي تأثرت بسببه شؤون بلدنا الداخلية، فعندما نوقف تلك الوصاية نهائيا فإن إيران تكون قد حققت استقلالها الاقتصادي والسياسي”.

وفي الانتخابات التالية في فبراير 1952 ونتيجة لشعبيته الهائلة، حصد حزبه ثلاثين مقعدًا من أصل 79 مقعدًا، واستحق رئاسة الحكومة للمرة الثانية، لكن أثناء الموافقة الملكية على وزارة مصدق بتاريخ 16 يوليو 1952، أصر مصدق على حقه الدستوري كرئيس للوزراء في تسمية وزير الحربية ورئيس الأركان، وهو أمر كان الشاه يحتفظ به لنفسه حتى ذلك الوقت، فرفض الشاه ذلك، مما دفع مصدق للاستقالة وتوجه إلى الشعب قائلًا “أن الصراع الذي بدأه الشعب الإيراني لم يمكن تتويجه بالنصر”، فعين الشاه السياسي المخضرم أحمد قوام لمنصب رئيس الوزراء بدلًا من مصدق، وأعلن قوام يوم تعيينه عزمَه على استئناف المفاوضات مع البريطانيين لإنهاء النزاع النفطي على عكس سياسة مصدق، فردت عليه الجبهة الوطنية مع مختلف الجماعات والأحزاب الوطنية والإسلامية والاشتراكية بمظاهرات حاشدة واحتجاجات وإضرابات مؤيدة لمصدق، واندلعت الاحتجاجات الكبرى في مدن إيران الرئيسية، وأُغلِق سوق البازار في طهران، وقتل جراء المظاهرات أكثر من 250 في طهران وهمدان والأهواز وإصفهان وكرمنشاه، وتعرض الكثيرون لإصابات خطيرة.

وبعد خمسة أيام من المظاهرات الحاشدة، أمر القادة العسكريون جنودهم أن يعودوا إلى ثكناتهم خشية من تغيير ولائهم وخوفًا من سقوط طهران في أيدي المحتجين، مما أجبر الشاه أن يعزل قوام ويعيد تعيين مصدق مع منحه كامل الصلاحيات بالسيطرة على الجيش وهو ما كان قد طالب به مسبقًا، واضطر البرلمان إلى منح مصدق سلطات الطوارئ بعد بروز شعبيته الجارفة في الشارع، وقام مصدق عن طريق سلطة قانون الطوارئ بتعزيز مؤسسات الدولة السياسية، وتقليص صلاحيات الأسرة المالكة، فقطع ميزانية الشاه الشخصية ومنعه من التواصل المباشر مع الدبلوماسيين الأجانب، وطرد أخته التوأم “أشرف پهلوي” التي لقبت بـ”النمرة السوداء” بسبب تدخلها في السياسة الإيرانية لدرجة أنها كانت تختار الوزراء مع شقيقها، وتستطيع أن تقيل أي مسئول من منصبه بدون أي معارضة من أخيها، إلى جانب تضخم ثروتها بشكل غير مبرر، ونقل مصدق إلى الدولة أراضي العائلة المالكة، مما أثار حفيظة الشاه ضده وتحول الأمر إلى عداوة شخصية.

وفي يناير 1953 نجح مصدق بالضغط على البرلمان في تمديد قانون الطوارئ لمدة 12 شهرًا آخر، وتمكن بواسطة هذا القانون من إصدار مرسوم قانون الإصلاح الزراعي الذي أنشأ المجالس القروية وزيادة حصة الفلاحين من الإنتاج، فأضعف بذلك قوة الطبقة الأرستقراطية وألغى نظام الزراعة الإقطاعية السارية في إيران منذ قرون، واستعاض بها نظام الزراعة الجماعية وملكية الأراضي الحكومية، مما أثار حفيظة الإقطاعيين والأثرياء والمستنفعين من نظام الشاه. ونتيجة لازدياد الضغوط، بدأ ائتلاف مصدق السياسي بالتفكك، وازداد أعداؤه، وانسحب عدد من حلفائه وانقلبوا ضده، من بينهم “مظفر بقائي” رئيس حزب العمال الكادحين، و”محمود أبي القاسم كاشاني” عضو الجبهة الوطنية، لكن الطامة الكبرى كانت في فتوى رجال الدين الإيرانيين بأن “مصدق معادٍ للإسلام والشريعة” بسبب تحالفه مع كتل اليسار والليبراليين.

في شهر ديسمبر 1952 كان الكيل قد فاض ببريطانيا من مصدق وسياسته، فاقترح مسؤولون في المخابرات البريطانيةMI6  على المخابرات الأمريكية CIA خلع مصدق، وأشار رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل لإدارة أيزنهاور الجديدة أن استمرار مصدق في السلطة قد يؤدي بإيران أن “تتجه بسرعة نحو فلك الشيوعية والسوفييت”.

وفي مارس 1953 بدأ وزير الخارجية الأمريكي “جون فوستر دالاس” بتوجيه الأوامر لوكالة الاستخبارات المركزية CIA التي يرأسها شقيقه الأصغر “ألان دالاس” بالتخطيط للإطاحة بمصدق، وفي 4 أبريل 1953 صدق “ألان دالاس” على اعتماد مليون دولار لاستخدامها “في إسقاط مصدق بأي شكل من الأشكال”، ولقبت المهمة باسم “العملية أجاكس Operation Ajax” وتركزت تلك المؤامرة في إقناع الشاه كي يصدر مرسومًا بإقالة مصدق، ولكن الشاه بدا مرعوبًا من القيام بمثل تلك الخطوة الخطيرة التي قد لا تحظى بشعبية بل ومشكوك فيها قانونيًّا.

وبداية من أغسطس 1953 احتدم الصراع بين الشاه ومصدق، وتدهور الوضع السياسي تدهورًا لم يُعرَف من قبل، ولما وجد الشاه أن استمرار مصدق في منصبه سيكون بمثابة تهديد مباشر لعرش الطاووس، وافق الشاه في النهاية على الإطاحة بمصدق، وأصدر قرارًا رسميًا بعزله، لكن رئيس الوزراء المنتخب رفض ذلك الأمر رسميًا في مرسوم مكتوب، فاستشعر الشاه فداحة الخطأ الذي اقترفه، وشعر بتهديد على حياته، فالتجأ الشاه إلى بغداد يوم 16 أغسطس 1953 بصحبته زوجته الملكة ثريا ومرافقه الخاص بطائرته الخاصة، واستقبل بحفاوة بالرغم من استنكار حكومة مصدق، ثم توجه بعدها إلى إيطاليا، وقبل أن يغادر بغداد وقَّع قرارين، الأول بعزل مصدق والثاني بتعيين الجنرال “فضل الله زاهدي” محله، فقام زاهدي في 19 أغسطس 1953 بقصف منزل مصدق وسط مدينة طهران، في نفس الوقت قام “كرميت روزڤلت” ضابط الـCIA والقائد الفعلي للانقلاب مع “دونالد ويلبر” مهندس وكالة المخابرات المركزية، بإخراج تظاهرات مدفوعة معادية لمصدق في وسائل الإعلام الإيرانية والدولية، وأطلق احتجاجات مدبرة واسعة النطاق تعمدت إطلاق الهتافات الرخيصة التي تحط من هيبة مصدق.

ولإضفاء الشرعية على الانقلاب، وتصوير الاحتجاجات الشعبية وكأنها عفوية، دفع زاهدي ببعض رجال الفتوة والبلطجية لإثارة الشغب، وكان على رأسهم “شعبان جعفري” قواد النساء وبطل رياضة “الزورخانة” التقليدية في إيران (لعبة شعبية تشبه المصارعة)، والذي يُطلِق عليه الإيرانيون “شعبان المجنون”، وحدثت اشتباكات عنف في الشوارع بين مؤيدي الشاه ومؤيدي مصدق، خلفت ما يقرب من 300 قتيل. وفي 19 أغسطس 1953 الموافق 28 من شهر مرداد الفارسي، وكمحاولة لكسب اليد العليا، انضم الجيش للأحداث وانتشرت الدبابات بالعاصمة وقصفت مقر الإقامة الرسمي لرئيس الوزراء، وتمكن مصدق من الفرار، وأطلق الجيشُ الغوغائيين على المنزل فنهبوه.

وفي اليوم التالي استسلم الدكتور محمد مصدق إلى الجنرال زاهدي، واعتقل في نادي الضباط ثم نقل إلى سجن عسكري تمهيدًا لمحاكمته، وفي 22 أغسطس عاد الشاه من روما، وسرعان ما وصلت حكومة زاهدي الجديدة إلى اتفاق جديد مع شركات النفط الأجنبية واستعادة تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية بكميات كبيرة، مع إعطاء الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى حصة الأسد من النفط الإيراني، وقد دعم رجال الدين الشيعة الانقلاب على مصدق، وبرروا ذلك بدافع من خوفهم من الفوضى واستيلاء الشيوعيين والليبراليين والعلمانيين على الحكم في البلاد. وبعد نجاح الانقلاب على مصدق، كان رفيقه السابق “محمود آية الله أبي القاسم كاشاني”، ثاني الخطباء في الراديو الإيراني لتأييد ومباركة الانقلاب.

وفي 21 سبتمبر عام  1953، حوكم مصدق أمام محكمة صورية، وأقر محاميه “جليل بزرگمهر” أنها لم تكن تتمتع بالحد الأدنى من شروط الحيادية، وحَكَمَ نظام الشاه على الدكتور مصدق بالإعدام، ثم خفف الحكم لاحقًا بعد طلب من النيابة العامة، وخوفًا من رد فعل أتباعه، إلى السجن ثلاث سنوات في الحبس الانفرادي، وشكلت محكمة عسكرية من قبل الشاه لمحاكمة العديد من حلفاء ومؤيدي مصدق السابقين، والتي أصدرت أحكامها بالسجن والإعدام على معظمهم، ومنهم وزير الشؤون الخارجية السابق ونائب مصدق “حسين فاطمي” وتم تنفيذ الحكم فيه رميًا بالرصاص في 29 أكتوبر 1953، وقال مصدق ردا على هذه الأحكام “إن حكم هذه المحكمة قد زاد أمجاد بلدي التاريخية، وأنا ممتن للغاية لإدانتها لي..

الليلة ستعرف الأمة الإيرانية معنى الدستورية”. وأبقي مصدق تحت الإقامة الجبرية في مقر إقامته في “أحمد آباد” في شمالي إيران، حتى وفاته في 5 مارس 1967، أما الجنرال فضل الله زاهدي فقد أصبح سفيرًا في الأمم المتحدة بعد أن ترك منصبه، أما القواد ورجل الفتوة “شعبان جعفري” فقد صار بطلًا في نظر مؤيدي نظام الشاه باعتباره أحد القادة الذين شاركوا في اشتباكات الشوارع. وبعد اندلاع الثورة الإيرانية، ادَّعى شعبان جعفري بأنَّه كان في السجن خلال الفترة التي اندلعت فيها أحداث الانقلاب، وأنه لم يتمكن من المشاركة فيه، وتمكن من الهرب إلى الولايات المتحدة لأنه كان من بين المطلوبين من قبل الحكومة الثورية الجديدة لكونه أحد مساعدي نظام الشاه وتوفي في سانتا مونيكا عام 2006، وفي العام 2013 اعترفت المخابرات الأمريكية رسميًا بتدبير خطة الانقلاب على مصدق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست