سما حسن

أن تفتح عينيك على الحياة في واحدةٍ من أفقر بقاع الأرض، وهي غزة، فمعنى ذلك أن تتمنى أمنية الممثل الراحل بشارة واكيم “لو كنت غني” في الفيلم الذي شاهدته في صغري، وشدّني في أحداثه الأولى، بسبب إحساس الحلاق محروس بالفقراء، فقد كان يحنو ويعطف عليهم، ويجود عن ضيقٍ، وليس عن سعة، بجزء مما يكسب.

ولكن توالي الأحداث ملأ قلبي الصغير بالنقمة على محروس الذي ما إن هبطت عليه ثروة من السماء، حتى عاش لنفسه وغرق في الملذات، ونسي أهل حارته الفقراء، وتنكّر لهم. تذكّرت أحداث هذا الفيلم، ورددت بمثاليةٍ ساذجةٍ بيني وبين نفسي ما تمناه الحلاق محروس يوماً “لو كنت غنية”، وذلك حين مرّت أجواء المنخفض الجوي الأخيرة، والتي أصاب ضررها الأكبر الفقراء في بيوتهم وممتلكاتهم، وحتى أنفسهم، وتلفتُّ حولي، واكتشفت أن الفقراء هم فقط من يُحسنون للفقراء، ويشعرون بهم.

تأكد استنتاجي، حين أعلنت إحدى المحطات الإذاعية المحلية في غزة عن فتح باب التبرعات لمنكوبي المنخفض الجوي في مقر الإذاعة، فهب الفقراء من كل حدب وصوب، وعلى الرغم من سوء الأحوال الجوية للتبرع لإخوانهم، وممن يعيشون ظروفاً بسوء ظروفهم، فسيدةٌ عجوزٌ تبرعت ببعض المؤن التي تحصل عليها من “أونروا” وطفل تبرع بدخل يوم كاملٍ من عمله بائعاً جائلاً، ولم تتلق هذه الحملة أي تبرع من الأثرياء ورجال الأعمال.

وتأكد استنتاجي، بعد أن صدرت تصريحات صحفية كذّبها على الفور أحد المسؤولين في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية حول المطالبة بتوفير التدفئة في المدارس الحكومية، أسوة بالمدارس الخاصة، حيث نفى المسؤول تصريحه أن ازدحام الفصول كفيل وحده بتوفير الدفء، وأن تلاميذ الفصل الواحد ينتجون طاقةً تعادل أربع دفايات كهربائية.

وقرّرت وزارة التربية والتعليم، بعد ثورة أولياء الأمور على هذه التصريحات، وتردّدهم في إرسال أطفالهم إلى المدارس، بسبب استمرار انخفاض الحرارة عن معدلها السنوي، قررت أن تتبع خطة مستقبلية، لتدفئة المدارس بالتعاون مع وزارة المالية وسلطة الطاقة، في أقرب وقت، ومعربة عن استقبالها أي جهود من المجتمع المحلي والقطاع الخاص، من أجل المساعدة في تجهيز المدارس والجامعات، بيئة حاضنة للتعليم، لأنه أقوى سلاح لدى الشعب الفلسطيني!

تذكّرت تعليلاً ساقه الثري المستحدث، الحلاق محروس، أن الغني ليس من ذنبه أنه خُلق غنياً، وليس من واجبه أن ينفق على الفقير، لأنه يعلمه الكسل والاتكال، وأن على الفقير البحث عن مصدر الغنى، وعدم مزاحمة الأثرياء في أموالهم. وقد سمعت هذا المنطق من عدة أشخاص أثرياء، نصحتهم بالتبرع للفقراء، وسقت أمامهم قصصاً تدمي القلوب لعائلاتٍ لا تجد ما يسد رمقها، فيكون الجواب من أكثرهم بأنهم لا يجدون المال في الشارع، وبأنهم تعبوا في الحصول عليه، وبأن من حق الغني أن يستمتع بماله بكل الطرق، ويعيش الرفاهية كما يجب، لأن من حكم في ماله فما ظلم.

وعند هذا الحد من القسوة أتوقف فعلاً عن الحوار، لكني أراهم يدسّون قروشاً قليلة في يد سائل، ويطلبون منه على عجلٍ، وهم يخرجون من البنك، أو المول التجاري الضخم، أن يدعو لمريضهم بالشفاء، أو لعاقرهم بالخلف الصالح. وهنا، أتنهد وأبتسم في مرارة، فما أقل عطاياهم، وما أعظم مطالبهم…

الأمر الوحيد الذي كنت قادرة على القيام به، في أيام المطر، هو الصعود إلى سطح البناية التي أقطنها، ونثر بعض الحبوب وفتات الخبز من أجل الطيور والقطط التي اعتدت أن أراها تجوب المكان، بحثاً عن طعامٍ، والتي ستجد حتماً وسيلة للوصول إلى ما نثرته من طعام. وحين كنت أطل بلمحةٍ سريعةٍ من فوق سطح البناية، رأيت بيت جارتي المسنة، وقد تهاوى جزء كبير من سقفه المتصدع أصلاً، فأشحت وجهي في ألمٍ، وقلة حيلة إلى الناحية الأخرى، فلمحت جاري الثري يترجّل من سيارته الفخمة على عجلٍ، متخذاً طريقه تحت المطر، نحو مدخل بيته الفخم محملاً بأكياس مشترياتٍ كثيرة، تطل من إحداها علبة شوكولاتة فاخرة.