صقر أبو فخر

في معمعان الأهوال الناشبة، اليوم، في سورية والعراق واليمن وليبيا، راح ناس كثيرون يكتشفون، بالتدريج، أن الحل، في نهاية المطاف، هو الديمقراطية. فلا دولة الخلافة هي الحل، ولا دولة الاستبداد نجحت في تدارك هذا الانفجار المروِّع، وقبلهما فشلت الدول شبه الديمقراطية وشبه الليبرالية، في مصر وسورية والعراق ولبنان، في التصدّي للمسألة الفلسطينية وللعدالة الاجتماعية.

لكن، لا أحد، حتى اليوم، قدّم الإجابة الشافية عن صورة الديمقراطية الموعودة، بل إن ما بين أيدينا من كتاباتٍ إنما هي مطارحاتٌ في الديمقراطية كما تطورت في الغرب، ولم ترتقِ إلى مشروع سياسي للمستقبل في العالم العربي. فناشطون كثيرون في الدول العربية التي ابتُليت بالحروب الأهلية يعتقدون أن الديمقراطية تعني، أولاً وأخيراً وقبل أي أمر آخر، حكم الأغلبية، وهو ما يُترجم في الواقع إلى حكم السُّنة في سورية، وإلى حكم الشيعة في العراق. فالأغلبية عند هؤلاء هي الأغلبية الطائفية، وليست الأغلبية السياسية العابرة للطوائف، كما هي الحال في الديمقراطية حقاً. والديمقراطية ليست هي حكم الأكثرية العددية، لأنها في لبنان، مثلاً، تصبح غلبةً للمسلمين على المسيحيين، وفي جنوب أفريقيا التي تمكّنت من إلغاء التفرقة العنصرية بالديمقراطية ثمّة خطر من إعادة التفرقة العنصرية بغلبة السود على البيض. ومبدأ حكم الأكثرية وحده يشكل، في أحيان كثيرة، أداة قهر في المجتمعات التعددية، أو ذات الهويات القومية المتعددة. فالأكثرية في نيجيريا لا تعني إلا سيطرة قبيلة الهوسا على قبيلتي اليوروبا والأيبو. والحقيقة أن الديمقراطية لا تعني، في جوهرها، حكم الأكثرية ونقطة على السطر. لنتذكّر أن الأكثرية هي التي أوصلت هتلر وفرانكو وموسوليني إلى السلطة. ومع ذلك، فإن الديمقراطية وحدها القادرة على تقديم الشكل الملائم للحكم في المجتمعات المعاصرة.
تفترض الديمقراطية سؤالاً بسيطاً هو: مَن يحكم؟ وكيف يحكم؟ مَن يحكم… هذا ما تقرّره الانتخابات. أما كيف يحكم، فبموجب العقد الاجتماعي المعبّر عنه بالدستور والقوانين المتغيرة، لا بموجب التشريعات التي لا تتغير. وبهذا المعنى، ليست الديمقراطية مجرد نظام سياسي قائم على فصل السلطات فحسب، بل هي، في الأساس، نظام المجتمع التعدّدي، أي أنها عقد اجتماعي لا يجيز البتة لمن وصل إلى السلطة بالديمقراطية أن ينقلب عليها بذريعة “إرادة الأكثرية”. وفي أي حال، ما يهمنا اليوم هو انتصار الديمقراطية بالفعل، لأننا بهذا الانتصار، في ما لو تحقق، ستصبح شرعية السلطة مستمدةً من الشعب، لا من الحاكم، الأمر الذي يعني أن في إمكان هذا الشعب أن يغيّر السلطة وأن يحاسبها. والحكم الديمقراطي، كما هي حال الدول الحديثة، لا يجري بموجب النصوص المستقرة، حتى لو كانت ذات مرجعية دينية، بل بموجب القوانين المتغيّرة. وحتى الدول العربية التي نصّت دساتيرها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، نزعت من قضاة الشرع عقوبة التعزير، فلا عقوبة من دون نص. وما عادت هذه القوانين تسمح بجلد شارب الخمر أو قطع يد السارق أو رجم الزانية، وأُلغيت الجزية وحُرِّم الرّق وملك اليمين والتسرّي بالجواري، وساوت بين مواطنيها، مسلمين ومسيحيين، أمام القانون، وفي الخدمة العسكرية الإلزامية وفي الشهادة أمام المحاكم، وفي التعطيل أيام الأعياد.
الدول العربية الحديثة، إلا أقلها، هي وريثة تقاليد الحكم في عصور الانحطاط، ولا سيما في مظاهر الاستبداد واستخدام الدين هنا وهناك، وتأليب الجماعات العقيدية بعضها على بعض، وتقليب مكونات المجتمع، بحسب ما يقتضيه دوام حال السلطان. فلا عجب، والحال هذه، في أن ينقلب المجتمع على الحاكم باسم الدين، ويجري الدم على ما علمتم أخباره، وذقتم أهواله.