واسيني الأعرج: الحزن صعب في هذه المدينة القروية

بلال فضل

ـ “كلفني المنتج السينمائي بكتابة قصة كوميدية، فتصوّرت مدينةً يكافح أهلها في سبيل لقمة العيش، ويَشقون بما بينهم من خصومات، ويعانون الأمراض والحوادث، ثم يجيء بعد ذلك زلزال مدمر، فيقضي على البقية الباقية منهم، ويمحو من الوجود ذكرياتهم، فكأنهم لم يوجدوا، فضحك المنتج، وقال حقاً إنك فارس الكوميديا” نجيب محفوظ من “أحلام فترة النقاهة” المجموعة الأولى. ـ “ثمة أشياء كثيرة جدا تنتهي بصرخة، بحيث ربما يكون من الأصح عدم الصراخ. وإذا كان ينبغي الصراخ، رغم كل شيء، إذا لم يكن في الامكان قطع الصرخة، فلتكن قصيرة على الأقل، لا لما يتسبب به طول الصرخة من ضيقٍ لدى السامع (لا شك أن العكس أقرب إلى الحقيقة) بل لمصلحة الصارخ بالذات، ولأنه من الثابت أنه كلما طالت الصرخة فقدت معناها…. اصرخوا باقتضاب، فربما ينجدونكم”.

الكاتب المصري جورج حنين من نص “قياس الصرخة”، ترجمة ساران ألكسندريان.

ـ “الفضول ظاهرة وقتية هنا، ليس بسبب أن الإنسان يعرف كل شيء، بل لأنه سرعان ما يتعلم ما الأشياء المسموح له معرفتها، فهذا مجتمع خاص، لا يذيع عيوبه وأخطاءه ولا يكشف منطقه، مجتمع يجيب عن الأسئلة الملحة بفيضٍ من المعلومات الزائفة المغلوطة، ثم يعود أدراجه، ويلزم صمته المفضل، يغلق أحد الأبواب في وجهك، وفيما أنت تجمع استنتاجاتك التافهة الشائعة، تفاجأ بباب آخر يُصفق مغلقاً”.

الروائية البريطانية هيلاري مانتل من رواية “كوابيس جدة”، ترجمة فاطمة نصر.

ـ “الجميل في الحرية أننا نتعلق بها في النطاق ذاته الذي تبدو فيه مستحيلة”.

سيوران

ـ “النسيان. النسيان هو الذي يجعل الإنسان يستمر في العيش. يضع البشر قوانين ونظماً للحياة، لكنهم يبنون دوماً على النسيان، نسيان الشك، عاجزين عن إيجاد قواعد صلبة. كل مرة، ينهار البناء. وفي كل مرةٍ، يبني البشر من جديد، وكله ثقة. النظام الاجتماعي لا يتماسك إلا بخيطٍ ضعيف. لا أحد يقتنع بدوره، الأقنعة يمكن سقوطها في أي لحظة كاشفة الوحوش، الحب وحده يعطي قناعاً مطمئناً”.

الروائي الموريتاني موسى ولد إبنو من روايته “الحب المستحيل”.

ـ “هناك حالات يؤمن فيها المرء إلى نقطة معينة بأهمية ما يقال أو يكتب. فقط، لأن من المستحيل خنق الأصوات، محو الأسطر، ولكن إغراء الصمت، فتنة الجمود، يكتسحاننا، إغراء أن نكون كالآلهة صامتين وهادئين، مجرد متفرجين”.

جوزيه ساراماغو من رواية “سنة موت ريكاردوريس”، ترجمة أنطوان حمصي.

ـ “والحزن، يا صديقتي، صعب في هذه المدينة القروية التي تحول أي شيء تلمسه إلى بؤس. غريبة هذه المدينة. حتى الحزن يتحول عندها إلى لباسٍ عصريٍ يرتديه الفارغون، والذين يعوضون الفعل الثوري المنتج، بالجملة الثورية المبهرة”.

الروائي الجزائري واسيني الأعرج من رواية “وقع الأحذية الخشنة”.

ـ “هيا نعطي الكذب جزءاً أكبر من اهتمامنا، فما أطول الوقت الذي نقضيه من أجل حقائق بلهاء، كعدد القتلى في نشرة الأخبار، ونسبة السكان تحت خط الفقر، وكتاب العلوم الأجرب. الكذب هو أحمر الشفاه في وجه البنت. فستانها الذي يخفي عيوب جسدها. الكحل في عينيها الضيقتين هو الصورة المعلقة على حائط تقشر طلاءه، استقامة ظهرك حين ترى رئيسك في العمل. نظرة الثقة في عينيك أمام ضابط الشرطة، وهو يرى بطاقتك، هو اللعبة الرخيصة الملونة في يد طفل، هو مباراة رديئة، تتخللها مشاجرة يعلو بسببها صوت معلق التليفزيون. الكذب إشارة مرور خضراء تجعل الحياة تمر”.

الكاتب المصري أدهم الصفتي من نصوص “مزبلة الوعي الجمعي”.

ـ “في النهاية، لم يكن الأسى هو المشكلة، ربما كان الأسى السبب الأول، لكنه أفسح المجال بسرعةٍ لشيء آخر، شيء ملموس أكثر، يمكن حساب تأثيراته بشكل أكبر، أكثر عنفاً فيما ينجم عنه من دمار، بدأت تتحرك سلسلة كاملة من القوى، وعند نقطةٍ معينةٍ، بدأتُ أترنح، أحلق في دوائر أكبر وأكبر حول نفسي، حتى خرجتُ من المدار في النهاية”.

الروائي الأميركي بول أوستر من رواية “قصر القمر”، ترجمة عبد المقصود عبد الكريم.

ـ “تجربة العيش طويلاً في مجتمعين متباعدين، ومتباينين للغاية، تولي المرء عبر المقارنة قدراً من إدراك المصائر البشرية في العالمين، على حد سواء، لا يتوافر لابن المجتمع الواحد، فأنا أعتقد أنه تتعذر معرفة الإنسان حقاً ضمن ثقافةٍ واحدة. هكذا كنت أنظر إلى حال اللا استقرار في العلاقات البشرية السائدة حولي ساعياً إلى فهمها. كان هناك فعل الشيء ونقيضه في آن واحد، واعتبار أن ما يعيشه المرء في الحاضر، سواء أكان باهراً أم مخيباً، باعثاً على السعادة أم التعاسة لا فرق. هو حكماً غير ما يجب أن يعيشه، ذلك أن الحياة الحقيقية، في نظره، هي في طبيعتها غير الحياة المعيشة. أضف إلى ذلك التوق إلى عيش حيواتٍ كثيرة في حياة واحدةٍ، وفي الوقت نفسه، ضمن ازدواجية الأنا والآخر، والداخل والخارج، بحيث تكون هذه الحيوات كلها منفصلةً تماماً إحداها عن الأخرى، فلا يرى الناظر إليها من الخارج إلا واحدةً منها، ومتصلاً ومندمجاً بعضها ببعض في نظر الذات وداخلها. إن التوغل في الفردية والحرية اللتين لا حدود لهما، وفقدان الجذور، وانهيار التقاليد، وهيمنة الشأن المادي هيمنة تامة على مشاعر العطاء والمجانية، وتحول الجسد قيمة عظمى في ذاتها، بما يمثله من رونق وفتوة ورشاقة وإغراء ولذة، وتعدد أشكال الحياة وأنماط العلاقات على نحوٍ يتيح المجال لكل احتمال، قد جعلت من الإنسان إله نفسه، ملقيةً على كاهله أعباء وجودية ثقيلة ينوء تحتها، من دون أن يدرك ما به أو يعيه، لا بل لا يبدو متعلقاً بشدة بما هو عليه، ولا يتصور ذاته، أو ربما أي ذات بشرية أخرى، على نحو آخر. ومع أن الكل في مدينة السين يشتكي من العزلة وانعدام السعادة، فلا أحد يقدم على شيء للخروج منهما، أو بالأحرى، لا يستطيع شيئاً، لأن المسألة ليست في القرار الشخصي العصيّ على الفرد، بل في بنية مجتمعية وثقافية محكمة، وفي نمط حياة مُكرس، لا يتيحان ذلك. ويبرز هنا تناقض طالما كان موضع دهشتي: بقدر ما يبدو الإنسان حرّاً إلى أقصى الحدود، وهي حقيقة واقعة، يبدو مُسيّراً، غير قادر على تغيير سلوكه وذاته، فهو وليد حركةٍ تاريخيةٍ كبرى حاملة رؤية جديدة للحياة البشرية والكون والزمن، ومُحدثة من المعارف والاكتشافات والاختراعات ما يتجاوز الخيال، بما فيها من إنجاز باهرٍ ومن خطر ومغامرة مجهولة المآل، وهي تتجاوز الأفراد الذين أنتجتهم تجاوزاً مطلقا. لا يعني ذلك قط أن الحل يكمن في ما يشبه المجتمعات التقليدية، حيث سطوة التقاليد، وذوبان الأفراد في الجماعات إلى حد الزوال، وحيث الكبت والعقم والعنف والعقم ورفض كل ما هو مختلف. فبين حركة الحرية والفردية المنطلقة بلا قيود، المتوغلة في المغامرة القصوى، والجماعات الحذرة المكبلة، المكررة ذاتها على مر الزمان، يصعب العثور على المثال المنشود، فليس هناك مجتمع بشري متوازن حقاً، لأنه ليس هناك اختراق لسر الموت ولا إجابة عنه”.

الروائي اللبناني أنطوان الدويهي من رواية “حامل الوردة الأرجوانية”.