أم المعتقل (يوسف عبدلكي)

عدلي صادق

كنت قد فاجأتها وآلمتها مرّة، ففاجأتني وآلمتني، من جانبها، مرّة، كأنه الجواب، ثم غابت.
كان الذي تلقته مني، فآلمها، من فعل الحوادث، أما الذي آلمتني هي به، فقد كان من فعل الأقدار. ولطالما آلم الشهداء أمهاتهم.
ذات يوم عادي، من حياتها الزاخرة بالأمل، وبواجباتٍ بلا فواصل، حيال سبعة أبناء، وابنة واحدة، حاضرين، وقلق يخالج قلبها، حيال ابنها البكر، الغائب غياباً غير اعتيادي، إذ لا تعلم مكانه، ولا طبيعة أوقاته، ولا أين ينام وكيف. برقيات الأنباء وحدها التي لا تحمل نبأ رحيله، كمقاتل، هي التي كانت تُطمئنها على بقائه حياً. في ذلك اليوم، جاءها النبأ الهجين الذي لا هو موت ولا حياة: وقع ابنك، في قبضة الاحتلال، في أثناء توجهه عن طريق البحر، في قارب صغير، إلى قطاع غزة.


عندئذٍ، يومها، وبتلقائية، تشكلت فرقة للنحيب، قوامها مجموع الأسرة. جلسوا صفين أو ثلاثة، على درجات البيت، يبكون. في تلك اللحظة، يقيناً، كان من يبكون مصيره، يصرخ تحت سياط الجلاد. تلك لحظة، تعمدت أن أتناساها، فلا أكتب عنها، ولا أرغب في سماعها، أو في إسماعها لآخرين، غير أن الذي أجرؤ على قوله، بعد سنوات طويلة، أنني عُدت في ذلك اليوم، وكان في مايو/ أيار 1971 جزءاً من الإطار الوجداني للأسرة، أو عُدت شأناً أسرياً.
كانت زيارة الأهل، الأولى، لي في السجن، بعد مائة يوم. كان السجن قاسياً جداً آنذاك، قبل أن تخفف من قسوته الإضرابات المطلبية. يسمحون بالزيارة، لاثنين مع طفل واحد. وبالطبع، يكبح الأب والأم رغبات الأشقاء في رؤية شقيقهم الأكبر، ويصطحبون صغيراً، يحرصون على أن يكون في سنٍّ كافية للوعي بقيمة اللحظة ومعناها. كان ذاك الطفل هو شقيقي إبراهيم، ذو السنوات العشر.
تتالت الأعوام والزيارات، إلا في مناسبات الإضراب أو احتجازي في الزنازين الانفرادية. تتبدل باقة الزائرين، وتتبدل السجون، من دون أن تغيب الأم، فهي العضو الدائم. وغالباً ما تكون الزيارة، أقل من نصف الساعة المقرّرة. إنها مساحة قصيرة من الزمن، بينما الأم لا دراية لها، بالطبع، بكيفية التعاطي مع الدقائق، مثلما يتعاطى العاملون في التلفزة، وضيوفها، مع الدقائق المتاحة للبث. ترتجل أي كلام، لكي تأخذ حصة أكبر، من المدة، وقد ساعدها على ذلك حذر والدي، بطبيعته، من الحديث في السياسة، في مثل هذه المواقف، وحرصه اللافت على أن يجعل قصير الكلام وقليله محض إنساني، وإن ابتعد، فلا يتجاوز عباراتٍ مقتضبة، عن حياة الناس، وظروف معاشها.
اكتشفت، بعد سنوات في السجن، أن لوالدي قدرة هائلة على الكتمان، وعلى معاينة تأثير الخبر العائلي، على من يتلقاه، لكي يقرّر أن يتحدث أو أن يصمت. ففي أحد الأيام، أتيح لي أن أتحرك في السجن، مترجماً مرافقاً لموظف الصليب الأحمر الدولي. ولما ذهبت إلى غرفة صغيرة، تشبه مكتباً صغيراً للصليب الأحمر، فيه ملفات سجناء، استأذنت الموظف في الاطلاع على ملفي. ولما طالعتُ مجموعة أوراقٍ، ذهلت. فوالدي منذ سنوات، يتقدم بالشكوى تلو الأخرى. فقد سحب الاحتلال رخصة استيراد الإسمنت، وهي رخصة قديمة منذ الثلاثينيات، بتعليل أن ابنه “مخرّب” بينما السلعة تتعلق بالعمار. لم يقل لي والدي، ولا والدتي، شيئاً عن هذا الأمر، طوال سنوات، فقد تحاشيا إيلامي.
لفظني السجن إلى الغربة من جديد. ومع “أوسلو” امتنعوا عن السماح لي بالعودة. وبعد خمس سنوات، مع زيارة بيل كلينتون وانعقاد المجلس الوطني للبت في إلغاء بنود من ميثاق منظمة التحرير، سمحوا بالعودة، على أن أغادر بعد انفضاض المجلس. وبشفاعة علاقاتي مع إخوةٍ أصبحوا قائمين على التطبيقات، تعدّل الأمر فبقيت. لكنني في أثناء زيارة قصيرة إلى الجزائر، تلقيت النبأ المفاجئ. أسلمت الحاجة والدتي الروح، على غير توقع. لم أرها ميتة، مثلما لم أرها طويلاً، حيّة. انزلقت قدماها ووقعت، ولم يحتمل قلبها الصدمة، فصعدت الروح إلى بارئها. لقد فاجأتني وآلمتني بفعل المقادير.