توبيرا توجه أسئلة للحكومة في البرلمان الفرنسي (20يناير/2016/Getty)

توفيق بوعشرين

أغلقت وزيرة العدل الفرنسية، كريستين توبيرا، الباب خلفها، عندما لم تفلح في فتح عقل رئيس الجمهورية، فرنسوا هولاند، على مخاطر استعمال سلاح نزع جنسية الفرنسيين من أصل عربي وسيلة لمحاربة الإرهاب. وقالت الوزيرة السابقة في العدل إن هذا برنامج اليمين المتطرف، وليس اليسار الاشتراكي المدافع تقليدياً عن قيم حقوق الإنسان ببعدها الكوني. وعلقت على قرارها الاستقالة من حكومة مانويل فالس بالقول: “أنا فخورة بهذا القرار. أحيانا المقاومة هي أن تبقى، وأحيانا يجب الرحيل وفاء للمبادئ”.


رفضت ابنة جزر الأنتيل قرار الحكومة الفرنسية إدراج نزع الجنسية من المواطنين الذين ولدوا في فرنسا، إجراءً عقابياً على تورّطهم في الإرهاب، في التعديل الدستوري المرتقب، والذي وضع حزمة من الإجراءات لدسترة حالة الطوارئ، ولاستعمال سلاح الجنسية عقاباً إضافياً ضد المتورطين في أعمال إرهابية… رفضت توبيرا الخضوع لابتزاز اليمين المتطرف الذي فرض على الرئيس هولاند أجندة الخوف والتطرف في مواجهة الإرهاب، فعلى مدى أشهر، كانت حارسة الأختام في وزارة العدل الفرنسية تقاوم هذا المنحى في التعديلات الدستورية الجديدة، وترفض خروج سياسة مكافحة الإرهاب إلى نشر جو من الكراهية والعداء إزاء الأجانب، لكنها عندما رأت أن الحسابات الانتخابية تغلب على المبادئ اليسارية في الحكومة، وضعت المفاتيح ورحلت مفضلة الاستقالة على الصمت.
فرح اليمين واليمين المتطرف الفرنسي بالاستقالة، وهلّل لها، واعتبرها قراراً تأخر كثيراً، فلا مكان لتوبيرا وأمثالها في بلادٍ تتنفس كلها أجواء الخوف من الأجانب.. بلاد لم تستعد بعد توازنها بعد مذبحة باتاكلان التي نفذها أباعوض ودواعشه، وسيدفع ثمنها ملايين العرب والمسلمين الذين ولدوا في فرنسا، وعاشوا فيها وساهموا في بنائها، والآن، يجدون أنفسهم في قفص الاتهام، مهدّدين بأن يصبحوا “بدون” على أرض الجمهورية والثورة ومبادئ حقوق الإنسان.
ليست الجنسية قراراً سياسياً، ولا قراراً إدارياً، تتصرف فيه الحكومات كما تشاء.. ليس منح الجنسية أو نزعها برنامجاً انتخابياً، وليس موضوعاً للمزايدات السياسية بين الأحزاب. الجنسية حق يُكتسب بالولادة أو بالإقامة. الأرض هي التي تمنح الجنسية للمولود فوقها، والجماعة البشرية هي التي تمنح الجنسية للمقيم بينها، والمساهم في الأعباء الوطنية (دفع الضريبة والدفاع عن حوزة الوطن). بهذا تُكتسب الجنسية لا بسواها. ولهذا، لا يملك النظام السياسي، أي نظام وكيفما كان، ديمقراطيا أو سلطويا، علمانيا أو دينيا، ملكيا أو جمهوريا، حق أن ينزع من الإنسان جنسيته، حتى وإن كان الأخير مجرماً أو سفاحاً أو إرهابياً. الجنسية بطاقة هوية تعطى للمواطن باعتباره إنساناً، بغض النظر عن سلوكه وتفكيره وعقيدته ولونه وأصله.. هي بطاقة هوية، تخوله اعترافاً قانونياً بالوجود، وتحميه من الاختفاء القسري، وتعطيه حق السفر والتنقل خارج الحدود، وحق ألا يكون مجهولاً (بدون تعريف).
الجنسية، إذن، ليست امتيازاً ينزع، وليست حتى حقاً يقيّد. جنسية المواطن هي ملازمة لشرط وجوده المادي في عالمٍ لم يعد يسمح لأحد بالحركة والعمل والسفر وممارسة الحقوق بدون هوية وطنية وانتماء إلى الدولة، فحتى الحيوانات المعرّضة للانقراض صار اليوم لها جنسية ورقم واسم، لتتبع حركتها وحمايتها، فكيف بالبشر.
أفضل من ينفذ برنامج اليمين هو اليسار.. هذه هي القاعدة في فرنسا منذ زمن، خصوصاً عندما ينسى اليسار يساريته، وعندما يدخل إلى لعبة المزايدات السياسية والانتخابية، وعندما يسقط في فخ اليمين الذي يستعمل الخوف لتعطيل العقل… الذي ينتمي إلى داعش أو إلى القاعدة أو إلى جماعات الموت لا يفكر في جنسيةٍ، ولا في حقوق، ولا في الحياة حتى. هو يخرج من هذا العالم لكي لا يرجع إليه أبداً. هو يريد أن يتخلص من أعباء الوجود التي لم يحتملها عقله وقلبه… لهذا، غادرت وزيرة العدل الفرنسية الحكومة، لكنها لن تغادر ذاكرة الفرنسيين، وسيذكرها التاريخ أكثر مما سيذكر من يؤيد قرار نزع الجنسية من مواطنٍ، وتسجيله تحت بند غريب ( بدون).